بحسب كتاب الاستقالة المؤرخ في 22 أبريل 2026، جاءت مغادرة الدكتور عيسى محمد أمين لرئاسة جمعية تاريخ وآثار البحرين نتيجة توجيه مباشر من وزارة الإعلام بعدم رغبة الجهات الرسمية في استمراره على رأس الجمعية، ما يكشف أن القضية لم تكن مجرد شأن إداري داخلي، بل ترتبط بإدارة الدولة للحقل الثقافي والتاريخي. وقد نصت رسالته بوضوح على أن الانسحاب تم “بتوجيه من سعادة وزير الإعلام”، بما يعكس حجم التدخل الرسمي في تحديد من يحق له إدارة المؤسسات المعنية بالذاكرة الوطنية.
وتكتسب هذه الإقالة دلالة أكبر إذا وضعت ضمن المسار السابق لعيسى أمين داخل مؤسسات الدولة. ففي عام 2011 كان قد استقال أيضاً من منصب وكيل وزارة الثقافة بعد خلافات داخلية وتباين في الرؤى مع وزيرة الثقافة آنذاك، في واحدة من أبرز محطات خروجه من الجهاز التنفيذي الرسمي. وقد أشارت التقارير إلى أن استقالته حينها ارتبطت باختلافات في أسلوب العمل والإدارة، ما يكشف عن تاريخ من التوتر بين شخصيته المستقلة وبين الخطاب المؤسسي الرسمي. بذلك، فإن خروجه من رئاسة جمعية التاريخ عام 2026 يبدو امتداداً لمسار متكرر من إقصائه من مواقع التأثير الثقافي والتاريخي.
يُعد عيسى أمين شخصية بحرينية استثنائية جمعت بين الطب والتاريخ؛ فهو أحد رواد الطب الحديث في البحرين ومؤسس تخصص جراحة الكلى والمسالك البولية، كما أنه مترجم ومؤرخ ساهم في رفد المكتبة البحرينية بأعمال مهمة حول تاريخ البلاد. إلا أن حضوره كمؤرخ أصبح أكثر حساسية من حضوره كطبيب، لأن قراءته التاريخية لفترة العشرينيات لا تنسجم بالكامل مع السردية الرسمية للدولة.
فبينما تحتفي الدولة في عام 2026 بعيسى بن علي بوصفه المؤسس الأبرز للدولة الحديثة والإصلاح، يتبنى عيسى أمين سردية تاريخية ترى أن إصلاحات عشرينيات القرن العشرين لم تكن مجرد مبادرة حصرية من الحاكم، بل جاءت أيضاً نتيجة ضغوط اجتماعية وسياسية واسعة، خاصة عبر العرائض والمطالبات التي رفعتها جماعات شيعية متضررة من بنية الحكم القبلي والامتيازات غير المتوازنة. هذا الفهم يمنح المجتمع المحلي دوراً فاعلاً في صناعة الإصلاح، ويحدّ من احتكار السلطة السياسية لرمزية التحديث.
من هنا، فإن إقصاء عيسى أمين يعكس صراعاً أعمق حول ملكية الرواية الوطنية: هل الإصلاح نتاج إرادة الحاكم وحده، أم نتيجة تفاعل بين السلطة والمجتمع والضغوط الداخلية؟ في هذا السياق، تبدو معركته مع المؤسسة الرسمية جزءاً من صراع على احتكار التاريخ نفسه، لا مجرد خلاف شخصي أو إداري.
إن استقالتيه، من وكالة وزارة الثقافة سابقاً ومن رئاسة جمعية التاريخ لاحقاً، تشيران إلى نمط واضح يتمثل في تضييق المساحة أمام الأصوات التاريخية التي تقدم روايات أكثر تعقيداً لتاريخ البحرين الحديث، خصوصاً حين تتقاطع مع ملفات الشرعية السياسية والهوية الوطنية. بذلك، يصبح عيسى أمين مثالاً على المؤرخ الذي اصطدمت قراءته المهنية والبحثية بحدود السردية الرسمية للدولة.