اليوم التالي (خاص): في البحرين، لا تبدأ الحكاية من حدودها، ولا تنتهي عند سواحلها. جزيرة صغيرة، لكنها تقف في قلب شبكة تمتد خيوطها من واشنطن إلى تامبا، ومن غرف التخطيط إلى مياه الخليج. ليست المسألة أن البحرين تستضيف قاعدة عسكرية فحسب، بل إن موقعها تحوّل، مع الزمن، إلى جزء من منظومة تُدار منها الحرب عن بُعد، حيث يتوزع الفعل بين من يقرر، ومن يخطط، ومن ينفذ.
فالقرار يُصاغ في وزارة الدفاع الأمريكية، حيث تُرسم السياسات الكبرى، بينما يُدار التخطيط عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). وهنا تظهر تامبا، المدينة الأمريكية في ولاية فلوريدا، بوصفها أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ فهي المكان الذي يوجد فيه مقر هذه القيادة داخل قاعدة “ماكديل”. من هناك، على بعد آلاف الكيلومترات من الخليج، تُجمع المعلومات، وتُرسم السيناريوهات، وتُحدد الأهداف، وتُوزع الأدوار. تامبا، بهذا المعنى، ليست مدينة بعيدة، بل “غرفة العمليات” التي يُدار منها هذا الإقليم.
أما التنفيذ، فينطلق من قاعدة الجفير، حيث ترسو القطع البحرية وتتحرك الأوامر. وهكذا تتشكل معادلة واضحة: العقل هناك، في تامبا، والجسد هنا، في الخليج. تُتخذ القرارات خارج الجغرافيا التي ستُنفذ فيها، وتتحول الأرض المحلية إلى مسرح لعمليات صيغت في مكان آخر.
وفي قلب هذه المنظومة، حتى الأسماء ليست بريئة. فمصطلح “القيادة الوسطى” نفسه ليس توصيفًا جغرافيًا محايدًا، بل تعبير عن انحياز جغرافي وسياسي وحضاري يُعاد من خلاله ترتيب العالم. “الوسط” هنا ليس وسطنا نحن، بل وسطٌ يُعرَّف من موقع آخر، من زاوية نظر ترى العالم من خارج حدوده. والأخطر أننا لا نملك حتى حق مساءلة هذا التعريف، ولا القدرة على رفضه أو إعادة تسميته، كأننا نقبل أن تُسمّى منطقتنا بما يراه الآخر مركزًا، لا بما نراه نحن.
في هذا السياق، لا تُعرّف الدولة فقط بحدودها، بل بموقعها داخل هذه الشبكة. لا يُقاس حضورها بما تملكه من قرار، بل بما تؤديه من وظيفة. وهنا تتحول الجغرافيا الصغيرة إلى جزء من آلة أكبر منها، آلة لا تُنتج خطابًا فقط، بل تُنتج واقعًا يعاد فيه توزيع القوة والمعنى.
لكن المفارقة أن خطابنا العام لا يتجه إلى هنا. نحن ننشغل، على نحو مكثف، بنقد الرابطة الدينية العابرة للأوطان، ونقدّمها بوصفها الخطر الأكبر على فكرة الوطن. نناقشها باعتبارها تهديدًا للهوية والسيادة، ونبني حولها خطابًا كاملًا من القلق والتحذير، بينما نُبقي الصمت تجاه رابطة أخرى أكثر حضورًا وتأثيرًا: الرابطة العسكرية العابرة للحدود.
هذه الرابطة الأخيرة لا تُربك الهوية فقط، بل تعيد تشكيل الأرض نفسها. فهي لا تكتفي بإنتاج خطاب أو انتماء، بل تعيد توزيع القرار، وتحدد مسارات القوة، وتعيد تعريف ما هو “داخل” وما هو “خارج”. ومع ذلك، نادراً ما تُطرح في النقاش العام بوصفها سؤالًا يستحق المساءلة.
في الخليج، لم تعد الدولة مجرد ما ترسمه الخرائط، بل ما تحدده الشبكات: شبكة القواعد، شبكة الأساطيل، شبكة الطائرات، وشبكة القرار الذي لا يُتخذ هنا، لكنه يُنفَّذ هنا. وهنا يصبح السؤال عن الوطن سؤالًا ملحًا: هل الوطن هو ما نعلنه في الخطاب، أم ما نملكه في الواقع؟ هل هو السيادة التي نرددها، أم القدرة الفعلية على اتخاذ القرار داخل الحدود؟
الوطن، كما يُقدَّم لنا، يُختزل في رموز: نظام حاكم، علم، نشيد، تاريخ رسمي. لكن الوطن، كما يُمارَس اليوم، يُعاد تشكيله في أماكن أخرى: في غرف العمليات، في قواعد البيانات العسكرية، وفي مراكز القيادة التي لا تقع داخل حدوده. حين يُتخذ قرار الحرب خارجك، وتُنفذ على أرضك، فإن معنى الوطن يصبح موضع سؤال لا يمكن تأجيله.
وهنا يتجلى سؤال السيادة في أكثر صوره وضوحًا: السيادة على الحدود والمجال الجوي. فالدول التي تملك قرارها تستطيع أن تغلق سماءها حين تريد، وأن تمنع استخدام مجالها في حروب لا تختارها. وقد رأينا كيف اتخذت إسبانيا قرارًا بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب على إيران، في تعبير مباشر عن سيادتها على فضائها وحدودها.
أما في حالتنا الخليجية، فإن هذا السؤال يكاد يكون غائبًا. لا يُطرح بوصفه حقًا، ولا يُناقش بوصفه خيارًا. كأن المجال الجوي لم يعد جزءًا من السيادة، بل جزءًا من شبكة أوسع تُدار من خارجها. وهنا لا يعود الوطن مجرد أرض، بل فضاء مفتوح تُحدد استخداماته في أماكن أخرى.
المفارقة الكبرى أن خطاب “الوطنية” في الخليج غالبًا ما يتجه إلى نقد ما هو خارج الدولة دينيًا، لكنه يتجنب نقد ما هو خارجها عسكريًا. نُطلب أن نخاف من فكرة تعبر الحدود، لكن لا يُطلب منا أن نسأل عن آلة تعبر الحدود وتُديرها. نُحذَّر من “الولاءات العابرة”، لكن لا يُفتح نقاش جاد حول “السيادات المؤجلة”.
في “اليوم التالي”، لا نبدأ من تعريف جاهز للوطن، بل من هذا التناقض. من جزيرة، أو دول، تُدار منها عمليات لا تملك قرارها الكامل، ومن خطاب يُعلّمنا أين نخاف، لكنه لا يُعلّمنا أين نسأل. نبدأ لنقول إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط تعدد الروايات، بل اختلال ميزان النقد، حين نُكثّف الضوء على فكرة، ونُطفئه عن أخرى أشد أثرًا.
الوطن ليس ما نقوله عنه فقط، بل ما يُفعل به. وإذا كان الوطن اليوم يُعاد تشكيله عبر آلة عسكرية عابرة للحدود، فإن أول خطوة لاستعادته ليست رفع الشعارات، بل إعادة توجيه السؤال: من يملك القرار؟ ومن يحدد المصير؟
لأن
اليوم التالي هو اليوم الأول.