تغییر اندازه فونت
16

 “دكتاتورية تجنن العاقل”كيف وصف النائب جاسم مراد قبل خمسين عاما ما حدث في برلمان البحرين 2026؟ 

اليوم التالي (خاص): في الجلسة رقم (٣٤) لمجلس البحرين الوطني، المعقودة بتاريخ ٢٤ أبريل ١٩٧٤، وبينما كان النواب يناقشون مواد اللائحة الداخلية المتعلقة بإسقاط عضوية النائب البرلماني، وقف النائب الوطني الراحل جاسم مراد ليدافع عن شرط “أغلبية الثلثين” بوصفه ضمانة ضد الاستبداد. لم يكن حديثه قانونيًا جافًا، بل حمل حسًّا سياسيًا استشرافيًا يكاد يبدو اليوم نبوءة مبكرة عن مصير البرلمانات في الأنظمة التي تضيق بالرأي المختلف. قال جاسم مراد عبارته اللافتة: “فلو فرضنا في بلد دكتاتورية تجنن العاقل. جاءوا وقالوا إن هذا الشخص مجنون وهو ليس بمجنون بل عاقل ولكن أرادوا إسقاط عضويته فما هو الحل؟”.

في الظاهر تبدو العبارة ساخرة، لكنها في العمق تكشف فهمًا مبكرًا لطبيعة السلطة حين تتحول من إدارة للاختلاف إلى سلطة تخافه. فالديكتاتورية لا تكتفي بسجن الخصم أو إسكات صوته، بل تحتاج أحيانًا إلى إعادة تعريفه أخلاقيًا أو نفسيًا. المعارض لا يصبح خصمًا سياسيًا فقط، بل “مختلًا”، “خائنًا”، “فاقدًا للأهلية”، أو شخصًا ينبغي عزله من المجال العام. هنا لا يكون الجنون وصفًا طبيًا، بل أداة سياسية لإخراج المختلف من المجال المشروع.

كان جاسم مراد يدافع عن فكرة بسيطة: حماية النائب من نزوات الأغلبية العابرة أو السلطة المتغولة. لذلك أصرّ على أن إسقاط العضوية يجب ألا يتم بسهولة، لأن البرلمان في جوهره ليس مؤسسة لإنتاج الطاعة، بل مساحة لحماية التعدد والاختلاف. النائب قد يخطئ، قد يبالغ، قد يصدم السلطة أو حتى الرأي العام، لكن وجوده مرتبط بحق الناس في أن يجدوا من يتكلم باسمهم داخل المجلس.

بعد عقود طويلة، بدا وكأن فرضية “تجنين العاقل” قد عادت بصورة أخرى داخل البرلمان البحريني نفسه. ففي واحدة من أكثر اللحظات دلالة، تقدم ٣٧ نائبًا، مدفوعين بما عُرف بـ(غضبة الملك) التي هي المرادف لعبارة جاسم مراد الساخرة (دكتاتورية تجنن العاقل). تقدموا  بطلب لإسقاط عضوية النواب الثلاثة: عبدالنبي سلمان أحمد، وممدوح عباس الصالح، ومهدي عبدالعزيز الشويخ، بسبب مواقفهم الرافضة للمرسوم الذي اعتبر قضايا الجنسية من أعمال السيادة غير القابلة للطعن القضائي. وخلال الجلسات، شدد النائب السابق عبدالنبي سلمان على ضرورة أن تكون العقوبات فردية لا جماعية، محذرًا من تأثير هذه القرارات على ثقة المواطنين في النظام القضائي، بينما دعا النائب ممدوح الصالح إلى احترام مبدأ شخصية العقوبة، متسائلًا عن مصير أسر وأبناء المتضررين.

لكن المجلس ناقش تقرير اللجنة التشريعية والقانونية، ثم أقر بالإجماع توصيتها بإسقاط عضوية النواب الثلاثة وإعلان شغور مقاعدهم. لم يكن النواب الثلاثة يطرحون دعوة انقلابية، ولا دعوا إلى العنف، بل عبروا عن موقف سياسي وقانوني مختلف. ومع ذلك جرى التعامل معهم بوصفهم خارجين على الإجماع الوطني، أو معرقلين لإرادة الدولة، أي بوصفهم ـ مجازيًا ـ أولئك “المجانين” الذين تحدث عنهم جاسم مراد قبل نصف قرن.

هنا تتضح خطورة الفكرة التي كان يحذر منها. فالسلطة حين تضيق بالرأي المختلف لا تبدأ دائمًا بالسجن، بل تبدأ أولًا بعزل المختلف أخلاقيًا وسياسيًا. يصبح المعارض “خائنًا”، ويصبح الاعتراض “تهديدًا”، ويصبح التمسك بحقوق دستورية وقانونية نوعًا من التهور أو فقدان العقل السياسي. إنها اللغة نفسها التي تحوّل العاقل إلى “مجنون” لأنه فقط رفض أن يصفق.

المفارقة أن جاسم مراد كان يناقش مادة إجرائية في اللائحة الداخلية، لكن النقاش في جوهره كان يدور حول سؤال أعمق: كيف نحمي السياسة من الخوف؟ وكيف نمنع الأغلبية من التحول إلى أداة لإقصاء المختلف؟. فالبرلمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيدي المرفوعة مع القرار، بل بقدرته على حماية الصوت الذي يجرؤ على الاعتراض.

لهذا تبدو مداخلة جاسم مراد اليوم وثيقة سياسية وأخلاقية نادرة. فهي لا تتحدث فقط عن إسقاط عضوية نائب، بل عن طبيعة السلطة حين تفقد قدرتها على احتمال التعدد. وربما لهذا السبب خافت الأنظمة الاستبدادية دائمًا من البرلمانات الحقيقية؛ لأنها المكان الوحيد الذي يستطيع فيه “العاقل” أن يقول للسلطة: أنتم من أصابكم جنون القوة، لا نحن.