اليوم التالي (خاص): كتب الصحافي البريطاني روبرت فيسك جملة تصلح اليوم لتكون تشخيصًا دقيقًا لواحد من أخطر أمراض الإعلام العربي والخليجي: “وأعتقد أن غياب «الانحياز» المتوقع من الصحافي، أسوأ مرض أصاب الصحافة والإعلام المرئي الغربيين”. لكن المشكلة في الخليج ليست فقط غياب الانحياز، بل غياب الانحياز إلى الحق والحقيقة نفسها.
تحوّل جزء واسع من الصحافة الخليجية، وخصوصًا في لحظات الأزمات السياسية والطائفية، إلى جهاز لإدارة الخوف لا لكشف الوقائع. لم يعد الصحافي شاهدًا على السلطة، بل صار في كثير من الأحيان شاهد زور لها، أو موظفًا في ماكينة علاقاتها العامة، أو جنديًا ضمن ما وصفه فيسك بـ”عصر المحارب”، حيث يُعاد تعريف الإعلام بوصفه أداة لتدمير الأعداء لا لفهم العالم.
في البحرين ظهر هذا المرض بصورة فادحة منذ احتجاجات 2011. بدل أن تنشغل قطاعات من الإعلام بأسئلة الإصلاح السياسي، والتمييز، والتعذيب، وأزمة الثقة الوطنية، تحولت الشاشات والصحف والحسابات الإعلامية إلى معامل لإنتاج العدو الداخلي “الخونة”. كل شيء صار يُقرأ عبر عدسة الخوف: القرية الشيعية خطر، والمأتم خطر، والعمامة خطر، والذاكرة خطر، والتاريخ خطر، والأفكار الدينية والعقائدية خطر، وحتى الحزن الديني جرى تقديمه بوصفه تهديدًا أمنيًا. هكذا لم يعد الإعلام ينقل الوقائع، بل يصنعها، ولم يعد يشرح المجتمع، بل يحرّض بعضه على بعض.
ومن أكثر اللحظات دلالة على هذا المرض الإعلامي ما عُرف في البحرين بخطاب “غضب الملك”، حين امتنع ثلاثة نواب عن التصويت لتأييد إسقاط الجنسية عن مواطنين بحرينيين. لم تتعامل قطاعات من الصحافة مع الواقعة بوصفها نقاشًا سياسيًا أو قانونيًا حول أخطر عقوبة مدنية يمكن أن تمارسها الدولة ضد مواطنيها، بل تعاملت معها بوصفها لحظة يجب أن يُعاد فيها ضبط المجال العام كله على إيقاع “الغضب الملكي”. صار “غضب الملك” نفسه حدثًا إعلاميًا يؤرَّخ به، وتُبنى حوله المقالات، وتُقرأ من خلاله اتجاهات السلطة وحدود الكلام المسموح. لم يعد السؤال: هل إسقاط الجنسية إجراء عادل أو قانوني أو أخلاقي؟ بل صار السؤال: كيف نُظهر الولاء الكافي أمام غضب السلطة؟
وهنا تتحول الصحافة من سلطة رقابية إلى جهاز إنذار سياسي، وتتحول اللغة الإعلامية إلى لغة خوف جماعي، يخشى فيها الكاتب والنائب والمواطن أن يُفهم تردده أو اعتراضه بوصفه خروجًا عن الإجماع المطلوب. هذه ليست صحافة بالمعنى المهني، بل إدارة نفسية للمجال العام، هدفها أن يشعر الجميع بأنهم تحت المراقبة السياسية والأخلاقية طوال الوقت.
لقد جرى التعامل مع الخليج، إعلاميًا، كما لو أنه “بيت خليجي” كبير لا يجوز رفع الصوت داخله، ولا مساءلة الأب فيه، ولا كشف التشققات في جدرانه أمام الغرباء. لكن هذا المجاز العائلي تحوّل مع الوقت إلى أداة لقمع السياسة نفسها. فالبيت الذي يُمنع فيه النقاش يتحول إلى غرفة صمت، والبيت الذي يُمنع فيه الاختلاف يتحول إلى مساحة خوف. وهكذا صار الإعلام في كثير من الأحيان حارسًا لصورة البيت لا لحقيقة ما يجري داخله، حتى لو كان بعض سكانه يُعاقبون أو يُقصون أو تُسحب جنسياتهم باسم الحفاظ على “هيبة البيت” ووحدته.
ولهذا تبدو عبارة فيسك الأخرى شديدة الدلالة حين كتب: “جاء اختيارُها [مقالات كتابه زمن المحارب]تعبيراً عن غضبي أكثر منه عمّا تنطوي عليه من وحشية ودموية”. فالصحافة الحقيقية لا تُولد من البرود الأخلاقي، بل من الغضب تجاه الظلم والكذب وإهانة الإنسان. أما الإعلام الذي يتباهى بحياده بينما يبرر القمع والتحريض، فهو لا يمارس الحياد، بل يمارس التواطؤ بلغة مهذبة.
لقد شهد الخليج، خلال السنوات الماضية، صعود نمط إعلامي كامل قائم على التخويف المستمر. إعلام لا يستطيع العيش بلا خصم داخلي. كل يوم يحتاج إلى “مؤامرة”، وإلى “خطر داهم”، وإلى جماعة جديدة تُقدَّم للناس باعتبارها تهديدًا وجوديًا. وهنا تصبح الصحافة شبيهة بما وصفه فيسك بدقة مذهلة: “أن علينا أن نعيش في عصر المحارب، الذي يكرّس عمله وخبرته ورسائله ووجوده في سبيل تدمير أعدائنا”.
في الخليج، لم يعد بعض الإعلاميين يتحدثون كلغة صحافيين، بل كلغة غرف العمليات. مفرداتهم ليست مفردات مجتمع، بل مفردات حرب: خلايا، اختراق، ولاءات، طوابير خامسة، خيانة، عدو داخلي. حتى المقالات اليومية تحولت أحيانًا إلى بيانات تعبئة نفسية. والنتيجة أن الصحافة فقدت وظيفتها الأساسية: أن تكون ضمير المجتمع لا جهازه العصبي المذعور.
الصحافي الحقيقي لا يقف على مسافة واحدة من الجلاد والضحية، ولا يعتبر الحياد الأخلاقي فضيلة. الانحياز للحقيقة ليس عيبًا مهنيًا، بل جوهر المهنة نفسها. ولهذا فإن أخطر ما أصاب الإعلام الخليجي ليس الرقابة فقط، ولا التمويل السياسي فقط، بل تحوّل الخوف إلى عقيدة صحافية كاملة. صار بعض الإعلام يعيش على صناعة الرعب، لأن الرعب يبرر السلطة، ويخلق جمهورًا مذعورًا يحتاج يوميًا إلى من يخيفه أكثر.
لكن المجتمعات لا تعيش إلى الأبد داخل غرفة إنذار. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تخشاه كل صحافة الخوف: ماذا يحدث حين يتوقف الناس عن الخوف؟