اليوم التالي (خاص): ما الذي ينبغي للحكومات الخليجية معرفته عن المكوّن الشيعي، فيما هي ذاهبة إلى التعامل معه، أو استهدافه بمزاعم إرهابية؟
لا يمكنك أن تتعامل مع الشخصية الشيعية دون أن تعرف مفاتيحها ومغاليقها، ممكناتها وهيهاتها، ما يهزّ عاطفتها وما يوقظ حميّتها، حدود صبرها وانفجارها، ما يمكن أن تفرّط فيه وما تعدّه من صميم وجودها.
في التكوين الشيعي ثمة معادلة نفسية وتاريخية لا تنتبه لها الحكومات الخليجية: كلما ضاق الخناق، ازداد التمسّك. التضييق والحصار والترهيب والبطش قد ينتج خوفاً، وقد ينتج تقية وحذراً وتكتماً، لكنه لا ينتج اهتزازاً في جوهر الاعتقاد. قد يغيّر الشيعي لغته، وقد يغيّر طريقته في التعبير، وقد يؤجل المواجهة أو يخفي موقفه، لكنه لا يغيّر ما يعتقد أنه الحقيقة التي يدين بها لله.
ذلك أن الذاكرة الشيعية ليست ذاكرة انتصارات سياسية بقدر ما هي ذاكرة امتحانات متكررة. منذ كربلاء تشكل الوعي الجمعي على فكرة أن الحق لا يُقاس بالغلبة، وأن الهزيمة العسكرية لا تعني هزيمة الفكرة، وأن كثرة الخصوم ليست دليلاً على الخطأ. لهذا فإن الضغوط التي تُمارس بقصد زعزعة القناعة، تُقرأ داخل هذا الوعي قراءة معاكسة تماماً.
هذه هي الرسالة التي تصل إلى التكوين الشيعي: أنت محارب لأن عقيدتك حق في زمن باطل، وكلما استشرى الباطل حورب أهل الحق واستهدفوا. وحين يتكرر الاستهداف تتعزز القناعة بأن الطريق نفسه هو الصحيح، لأن التاريخ الذي تربى عليه هذا الوعي مليء بصور الأنبياء والأئمة والصالحين الذين دفعوا أثماناً باهظة بسبب تمسكهم بما آمنوا به.
لهذا تخطئ الأنظمة السياسية، كما تخطئ الجماعات الأيديولوجية وخصوم الطوائف، حين تظن أن زيادة الضغط ستؤدي إلى التراجع. قد تؤدي إلى الصمت، نعم. قد تؤدي إلى الانكفاء، نعم. قد تؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات وأساليب العمل، لكنها كثيراً ما تنتج أثراً معاكساً على مستوى القناعة الداخلية. فالعقيدة التي تشعر أنها مستهدفة تتحول من هوية فكرية إلى هوية وجودية، من مساحة ضمن التعدد إلى تعريف أول للذات، الاستهداف لها يجعل التمسك بها نوع من أنواع المقاومة الوجودية، ويصبح التخلي عنها أقرب إلى التخلي عن النفس نفسها.
لهذا أيضاً ظلّ التشيع عبر قرون طويلة قادراً على البقاء رغم ما تعرّض له من حملات إقصاء ومطاردة وتجريم. لم يكن بقاؤه نتاج القوة السياسية، فغالبية تاريخه كُتب خارج السلطة، وإنما نتاج قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى معنى، والمعنى إلى تمسّك لا تفتّه المحن بسهولة.
إن فهم هذه الحقيقة يقتضي فهم البنية النفسية التي تحكم علاقة الشيعة بعقيدتهم. فثمة شخصيات يمكن استمالتها بالمكاسب، وأخرى يمكن إخافتها بالعقوبات، أما الشخصية التي تربت على تقديس الصبر وربطت الكرامة بالثبات، فإنها غالباً ما ترى في الشدائد اختباراً لصدقها لا سبباً للتراجع عن قناعاتها.