تغییر اندازه فونت
16

عقيل الفرهود: حين يتكلم خنزير مزرعة الحاكم عن معتقده

بينما كنت أتصفح الإنترنت، توقفت عند مقطع لأحد المقرّبين من السلطة في البحرين يقول فيه: “أنا شيعي ومحترم ومعتقداتي محترمة”. تصوّرته، وهو يرددها بثقة، كخنزيرٍ في مزرعة الحاكم أُطلق ليغسل جرائمه، شبيهًا بالخنزير “سكويلر” في رواية مزرعة الحيوان، مع حفظ حق سكويلر في كونه أكثر دهاءً وخبثًا. فسكويلر، على الأقل، كان يعرف تمامًا أنه يبيع الأكاذيب للجماهير، أما بعض أبواق السلطة عندنا فيبدون أحيانًا وكأنهم صدّقوا الأكذوبة نفسها، حتى وهم يكررونها على الهواء.

لم أستطع أن أسمع الجملة بوصفها تعريفًا بالنفس، بل بوصفها إعلان طاعةٍ مكتمل الأركان؛ جملة تحاول أن تقنع السلطة بأنه صالح للاستعمال، وصالح للعرض، وصالح لأن يُقدَّم نموذجًا لـ”الشيعي الجيد” الذي لا يزعج أحدًا، ولا يرفع صوته، ولا يتجاوز الحدود المرسومة له.

تذكّرتُ وأنا أستمع إليه روايةً عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: “من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيرًا”. والمعنى هنا ليس شتيمةً بقدر ما هو توصيف لحالة التحول الداخلي التي تصيب الإنسان حين يذيب نفسه بالكامل في خدمة الظلم. فالمسألة ليست وظيفةً سياسية فقط، بل استعدادٌ للتنازل التدريجي عن الروح، وعن المعنى الأخلاقي للانتماء، مقابل موقع أو رضا أو حماية.

يقول إنه “شيعي”، وكأن التشيع بطاقة هوية تُستخدم عند الحاجة. بينما التشيع، في جوهره، موقف أخلاقي قبل أن يكون انتماءً اجتماعيًا. هو ذاكرة احتجاج طويلة في وجه الاستبداد، لا مجرد عنوان مذهبي يمكن تعليقه فوق خطاب يبرر السلطة في كل ما تفعل. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي: أي تشيع يبقى حين يتحول الإنسان إلى شاهد زور على القمع، أو إلى أداة لتجميل الإقصاء، أو إلى صوت يهاجم أبناء بيئته كي يثبت ولاءه؟

ثم يقول إنه “محترم”، وهنا يختلط الاحترام بالاستخدام. فالسلطات لا تحترم من يتنازل عن صوته، بل تستخدمه. هناك فرق كبير بين من يُحترم لأنه حر، وبين من يُستدعى لأنه نافع. الاحترام الحقيقي يولد من الندية، من القدرة على قول “لا”، من الاحتفاظ بمسافة أخلاقية مع القوة. أما الذين يتحولون إلى أدوات في ماكينة التخويف والتحريض، فهم يعيشون غالبًا وهم الحظوة بينما يجري التعامل معهم بوصفهم وظائف مؤقتة في معركة مؤقتة.

أما قوله إن “معتقداته محترمة”، فهو الجزء الأكثر التباسًا في الجملة كلها. كيف يمكن الحديث عن احترام المعتقد بينما يُهاجَم علماؤه، وتُضيَّق شعائره، وتُلاحَق أصواته، ويُطلب من أتباعه باستمرار أن يثبتوا براءتهم الوطنية؟ الاحترام هنا يبدو مشروطًا بصورة محددة من التدين: تدين منزوع السياسة، منزوع الاعتراض، منزوع الحس الأخلاقي. تدين يبكي في المآتم، لكنه يصمت أمام الظلم في الشارع.

الحقيقة التي تحاول هذه الخطابات إخفاءها هي أن المطلوب ليس احترام التشيع، بل إعادة تشكيله بما يناسب السلطة؛ تحويله من موقف أخلاقي إلى هوية مطواعة، ومن ذاكرة احتجاج إلى طقس منزوع المعنى. ولهذا يبدو بعض هؤلاء وكأنهم لا يدافعون عن معتقداتهم بقدر ما يدافعون عن حقهم في البقاء داخل دائرة الرضا الرسمي، مهما كان الثمن المعنوي لذلك.

وفي النهاية، ليست المشكلة في شخص يقول هذه الجملة، بل في المناخ الذي يجعل بعض الناس يظنون أن الطريق إلى الأمان يمر عبر التبرؤ الضمني من معنى كرامتهم نفسها.