تغییر اندازه فونت
16

حين كتب الميدان حدود القوة الأمريكية

خاص- (اليوم التالي): لم يكن إعلان وقف الحرب على جميع الجبهات مجرد خبر سياسي يمر في شريط عاجل. كان، في جوهره، إعلانًا عن وصول القوة الأمريكية ـ الإسرائيلية إلى حدودها القصوى، وعن دخول المنطقة في لحظة جديدة، لم تعد فيها واشنطن قادرة على أن تقرر الحرب وحدها، ثم تقرر شروط نهايتها وحدها.

لقد دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب وهما تراهنان على معادلة قديمة: الضربة الخاطفة، الحصار، التفوق التكنولوجي، وتفكيك جبهات المقاومة واحدة تلو الأخرى. غير أن ما حدث كان عكس الحسابات. فإيران لم تتعامل مع الحرب باعتبارها معركة حدود، وإنما باعتبارها اختبارًا وجوديًا لموقعها، ودورها، وشبكة تحالفاتها في الإقليم.

من هنا تأتي أهمية مذكرة التفاهم التي أُعلن عن إنجاز صيغتها النهائية. فحين يُقال إن الحرب ستتوقف في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وإن الحصار البحري المفروض على إيران سيُرفع فورًا وبشكل كامل، فنحن أمام نتيجة سياسية لا يمكن فصلها عن الميدان. القوة التي حوصرت لم تقبل الإذعان. والقوة التي حاصرت لم تستطع الاستمرار في الكلفة.

هذا هو جوهر الهزيمة الأمريكية الإسرائيلية: ليست الهزيمة أن تسقط عاصمة أو ينهار جيش بالمعنى التقليدي، بل أن تُجبر القوة الكبرى على مغادرة خطتها الأصلية، وأن تقبل بتفاهم ينزع من يدها حق التحكم بإيقاع الحرب. لقد أرادت واشنطن وتل أبيب فرض معادلة ردع جديدة على إيران ومحور المقاومة، فإذا بهما تواجهان معادلة مضادة: كل جبهة تتحرك ضمن حساب الجبهة الأخرى، وكل ضربة تفتح احتمالًا أوسع من الساحة التي بدأت منها.

هنا ظهرت “وحدة الساحات” لا كشعار تعبوي، بل كحقيقة استراتيجية. لبنان لم يكن بعيدًا عن هرمز، وفلسطين لم تكن خارج الحساب الإيراني، واليمن والعراق لم يكونا هامشًا في خرائط الضغط. لقد اكتشفت واشنطن أن الحرب الحديثة في غرب آسيا لم تعد حرب جغرافيا منفصلة، وإنما حرب شبكات، وممرات، وموانئ، وأسواق طاقة، وجبهات سياسية وعسكرية متداخلة.

اللافت أيضًا أن التفوق التكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي لم يحسم المعركة. في المقابل، أثبتت إيران أن التكنولوجيا اللامتناظرة، حين ترتبط بعقيدة قتال وصبر شعبي واستعداد طويل، تستطيع أن تضرب هيبة الآلة الكبرى. لم تكن المسألة صاروخًا مقابل صاروخ، أو مسيّرة مقابل رادار. كانت معركة إرادات، ومن يمتلك القدرة على احتمال الزمن والكلفة.

لقد قدّم الشعب الإيراني، ومعه شعوب لبنان وفلسطين واليمن والعراق، نموذجًا في الصمود تحت الضغط. هنا يصبح الحضور الشعبي في ميادين الثورة، والالتفاف حول القيادة، واستمرار الجبهات رغم القصف والحصار، جزءًا من ميزان القوة. السياسة لا تُصنع في غرف التفاوض وحدها؛ تصنعها أيضًا قدرة الشعوب على البقاء واقفة حين يُراد لها الانكسار.

ومن هذه الزاوية، فإن التضحيات الكبرى، وفي مقدمتها الشهداء والقادة الذين سقطوا في هذه الحرب، تحولت إلى رصيد سياسي ومعنوي فرض نفسه على طاولة التفاهم. الدم هنا لم يكن تفصيلًا عاطفيًا في البيان، بل كان جزءًا من شرعية الصمود، ومن المعنى الذي سيُبنى عليه النظام الإقليمي القادم.

الولايات المتحدة ستقول إن التفاهم جاء لحماية الملاحة ووقف التصعيد. إسرائيل ستقول إن أهدافًا كثيرة تحققت. لكن الوقائع تقول شيئًا آخر، من يذهب إلى تفاهم بعد حرب أرادها لكسر خصمه، ثم يوافق على وقفها في كل الجبهات ورفع الحصار عنه، يكون قد اصطدم بجدار صلب اسمه توازن الردع.

الأهم أن نتائج هذه الحرب لن تبقى داخل حدودها المباشرة. فالرسالة وصلت إلى كل دولة راهنت على الحماية الأمريكية المطلقة: المظلة لم تعد بلا ثقوب. ووصلت إلى الشعوب المستضعفة أيضًا: الهيمنة ليست قدرًا أبديًا، والأحادية الأمريكية يمكن كسرها حين تتراكم القوة، والصبر، والتنظيم، ووحدة الجبهة.

بهذا المعنى، لا يبدو وقف الحرب نهاية فصل فقط، بل بداية فصل آخر. فصل تتراجع فيه قدرة واشنطن على احتكار أمن المنطقة، وتتقدم فيه معادلة جديدة تقول إن الخليج، وهرمز، ولبنان، وفلسطين، واليمن، ليست ملفات متناثرة، وإنما خطوط متصلة في خريطة واحدة. خريطة كتبها الميدان قبل أن يوقّعها المفاوضون.