في العام 1983 كان ابن المحرّق التاجر جاسم مراد (1930- 2019) العروبي المثقف الوطني، يحمل فكرةً واحدة، بسيطة وخطِرة في آن: كيف نسمّي هذا الوطن دون أن نكسر أحداً من أهله؟
حين سمع أن الاحتفال سيُقام بمناسبة مرور مئتي عام على ما سُمّي بـ“فتح البحرين”، لم يكتفِ بالتحفّظ الصامت. أخذ نفسه، كما يُقال، وذهب إلى أمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة. لم يكن يحمل خطاباً سياسياً، بل حساسية رجلٍ يعرف معنى الكلمات حين تتحوّل إلى جدران.
قال له، بوضوح، إن كلمة “الفتح” لا تليق. لا لأنها غير دقيقة تاريخياً فحسب، بل لأنها تُوحي بأن من يحكم لم يندمج بعد، وأن البلاد كانت أرضاً مفتوحة على الغزو. والأخطر من ذلك، أنها تُثير جرحاً لدى من كانوا هنا قبل هذه الرواية، لدى السكان الأصليين، الذين قد يرون في هذا “الفتح” إلغاءً لهم، أو توصيفاً لبلادهم كأنها كانت خارج التاريخ أو الدين.
ذلك الرجل الذي قال هذه الكلمات لم يكن من “السكان الأصليين” بالمعنى المتداول. كان مهاجراً. جاء إلى البحرين، وبنى فيها تجارةً وحياةً وسيرة. لكنه كان أكثر حساسية لمعنى الوطن من كثيرين. لم يرَ في هجرته نقصاً، بل رأى فيها مسؤولية مضاعفة: أن يكون جزءاً من نسيجٍ لا يتمزق بسببه، بل يزداد تماسكاً.
من هذه القصة تبدأ فكرتنا عن الوطن.
ليس الوطن تاريخ حروب عائلة، بل ما نختار أن نحميه—حتى من الكلمات التي قد تبدو عابرة. جاسم مراد لم يدافع عن “جماعة” بعينها، بل دافع عن فكرة أن الوطن لا يُبنى بلغة تُقصي بعض أهله، ولا بتاريخٍ يُقدَّم كحقيقةٍ واحدة نهائية.
إن تحويل 1783 إلى لحظة تأسيسٍ مطلقة، أو إلى ما يشبه “الاستقلال”، ليس مجرد اختيارٍ زمني، بل اختيار لرواية بعينها. رواية قد تُنتج خصاماً بل عداوة دائمة مع من يملكون روايات أخرى عن المكان، بل وقد تمتد آثارها إلى ما وراء الحدود، حيث تتداخل الجغرافيا مع الذاكرة والتاريخ.
الوطن، كما فهمه جاسم مراد، ليس ساحة إثبات أسبقية، ولا حلبة تعريفٍ مغلق. هو مساحةٌ تتّسع لمن جاءوا قبله، ولمن جاؤوا بعده، دون أن يحتاج أحدٌ إلى أن يثبت أنه “أكثر ولاء” من الآخر. الهجرة هنا لا تُنقص، بل تُضيف. والانتماء لا يُقاس بتاريخ الوصول، بل بما تتركه في هذا المكان من أثر.
في “اليوم التالي”، نبدأ من هذه الحكاية لنقول:
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط تعدد الروايات، بل تحرير فكرة الوطن نفسها. تحريرها من تاريخ الحروب القبلية التي اختزلت البلاد في غلبةٍ وسلالة، ومن تاريخ العوائل الخاصة التي صاغت الوطن على مقاس مصالحها، وقدّمته كملكيةٍ لا كمساحة مشتركة.
نحتاج أن نحرّر الوطن من القواعد التي فرضها المستعمر، ومن اللغة التي ورثتها عنه قوى لاحقة، نحتاج أن نحرره من القواعد التي ظننا أنها جبل نار يحمينا فإذا هي كتلة نار تتدحرج علينا.
الوطن الذي نبحث عنه ليس روايةً تُفرض، بل أفقاً يُفتح.وطنٌ يتّسع لمن فيه، لا يُقصيهم، ولا يحتاج أن يبرّر نفسه بتاريخٍ من الغلبة أو الهيمنة.
اليوم التالي هو اليوم الأول.