اليوم التالي (خاص): في ظهيرة مزدحمة من شارع “تشهارمردون”، قرب حرم السيدة المعصومة، كانت المدينة تمضي كعادتها بين زحام العابرين ورائحة الخبز الساخن التي تتسلل من الأفران. لم يكن في بالي يومها سوى وجبة غداء سريعة، لكن صديقي كان يرى ما هو أبعد من ذلك.
توقف فجأة أمام مخبز “السنگك”، وأشار إلى الطابور القصير قائلاً بحماس: “هذه فرصة لا تُفوّت”. كان يتحدث عن الخبز كما لو أنه غنيمة نادرة، مستعيدًا حكايات سمعها عن أيام الحرب، حين كان السنگك أكثر من مجرد طعام؛ بل شكلًا من أشكال الصمود.
لم أُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا. كنت غارقًا في متابعة الأخبار، بينما اندفع هو نحو الفرن، طلب عددًا من الأقراص ودفع ثمنها، ثم عاد مسرعًا قائلاً: “بقي أمامك طفل واحد فقط، انتظر مكاني، سأعود حالًا”.
وقفت في الطابور، مطمئنًا إلى أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق. لكن الطفل، الذي بدا عابرًا، طلب عشرة أقراص دفعة واحدة، وخلفه تراكمت طلبات لم تكن مرئية من قبل. بدأ الوقت يتمدد، والدقائق تثقل.
وأخيرًا، وصلت إلى المحاسب. رجل مسن، ملامحه جامدة، وحركاته بطيئة، كأنه يزن كل لحظة. سألني ببرود: “كم طلبت؟”
أجبته: “صديقي طلب… ربما ثلاثة أقراص”.رفع رأسه قليلًا وقال: “ادفع”.أوضحت له أن الدفع تم مسبقًا. هزّ رأسه دون اكتراث: “لا أعرفك، ولا أعرف صاحبك”
في هذه الأثناء، عاد صديقي وأخبرته بما دار، فخاطب العجوز متوترًا، يلوّح بيديه ويكرر بحدة: “آغا، من پرداخت! آغا، من پرداخت!”—أي “لقد دفعت!”. لكن العجوز لم يتزحزح قيد أنملة. لم يرفع صوته، ولم يغضب، بل كرر الجملة نفسها بنبرة ثابتة: “أنا لا أعرفك”
اتضح أن العامل الذي استلم المال قد أنهى نوبته وغادر، تاركًا خلفه هذا الالتباس الصغير الذي كبر فجأة. حاول صديقي الاتصال به، شرح له الموقف، وأعاد العبارة ذاتها بإلحاح. انتظرنا الرد، وكأننا ننتظر حكمًا نهائيًا.
أغلق الهاتف، ونظر إلى العجوز بثقة: “أكد لك… لقد دفعت.”
لكن العجوز، بكل هدوء، فتح دفترًا قديمًا مغبرًا، قلّب صفحاته ببطء، ثم أغلقه وقال كلمته الفاصلة:“تدفع، تأخذ السنگك. لا تدفع، لا شيء لك”
في تلك اللحظة، لم أتمالك نفسي من الضحك. لم يكن الموقف مضحكًا بقدر ما كان كاشفًا. التفتُّ إلى صديقي وقلت:“هذه ليست مجرد مشكلة خبز… هذه معادلة كاملة. إنها مضيق هرمز، ولكن بنكهة السنگك.”
بدت الواقعة أقرب إلى معادلة سياسية منها إلى سوء تفاهم يومي؛ منطق مباشر لا يلتفت للنيات أو الروايات: الإثبات الفوري شرط العبور. عندها علّقت مازحًا بأن ما يجري أمامنا هو نسخة مصغّرة من معادلة “مضيق هرمز”: تدفع، تمر سفنك. لا تدفع، فلن تعبر، حتى لو كررت ألف مرة أنك دفعت.
هذه الحكاية الصغيرة، بقدر ما تحمل من طرافة، تعكس ذهنية تشكّلت عبر سنوات من الحصار والتجربة القاسية؛ ذهنية تُعلي من وضوح القواعد، وتتعامل ببرود مع أي معطى خارجها. وفي عالم تتقاطع فيه السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، قد تجد أحيانًا أن أقرب تفسير للمعادلات الكبرى يكمن في موقف بسيط أمام فرن خبز.
غادرنا المخبز دون السنگك، لكننا حملنا معنا حكاية صغيرة تختصر الكثير. ففي بعض الأماكن، لا تحتاج إلى كتب في السياسة لتفهم كيف يُدار الحصار… يكفي أن تقف في طابور خبز: إن لم تدفع… فلن تعبر، حتى لو صرخت ألف مرة: “آغا من پرداخت”.