تغییر اندازه فونت
16

المفارقة الأمريكية: دولة علمانية تحكمها نبوءات توراتية

اليوم التالي (خاص): قساوسة إنجيليون، رافقوا خطاب ترامب أثناء خطابه بشأن استمرار الحرب على إيران، الخميس 2 إبريل/ نيسان، منهم فرانكلين غراهام الذي صلى قائلاً: “يا أبتاه، إنك تخبرنا في سفر أستير أن الفرس [الإيرانيين] كانوا يريدون قتل كل يهودي… اليوم يريد الإيرانيون قتل كل يهودي، ولكنك سخرت الرئيس ترامب”. أما مستشارته الروحية باولا وايت، فشبهته بالمسيح قائلة: “لقد تعرضت للخيانة والاعتقال واتهمت زوراً… إنه نمط أظهره ربنا ومخلصنا”.

الإشكالية المركزية هنا، أن أمريكا تدعي أنها دولة علمانية، يفصل فيها الدين عن الدولة، ولا تحكمها شريعة دينية. لكن هذا الحدث، وغيره الكثير، يكشف مفارقة صارخة: كيف لدولة علمانية أن يكون رئيسها “مسيحاً مخلصاً” وسياساتها الخارجية تُقرأ من خلال نصوص العهد القديم؟ وأين الفصل بين الدين والدولة عندما يدخل القساوسة إلى البيت الأبيض ليعلنوا أن الله أمرهم بأن يقولوا للرئيس: “ستكون منتصراً في كل ما تضع يدك فيه”؟

هناك تفسيران محتملان لهذا التناقض، الأول: أن العلمانية شكلية لا جوهرية. أي أن أمريكا علمانية في نصوصها الدستورية فقط، وليس في ممارستها السياسية الفعلية، فالإنجيليون هم أحد أهم أجنحة الحزب الجمهوري. الرئيس لا يمكنه الفوز دون دعمهم، ولذلك فهو يمنحهم شرعية دينية مقابل أصواتهم. هنا تصبح العلمانية غطاءً ظاهرياً، بينما الحكم الفعلي يتأثر بلاهوت حربي واضح.

الثاني: ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي. عندما تزدري أمريكا وأتباعها إيران لأنها تمتثل لمرجع ديني أعلى عبر ما يعرف بولاية الفقيه، فإنها تتجاهل أن إيران على الأقل صريحة في دينيتها. أما أمريكا فتدّعي العلمانية لكنها تحكم بنبوءات إنجيلية، وتصف رؤساءها بالمسيح، وتبرر الحروب بنصوص توراتية. الفرق ليس في وجود الدين، بل في التغطية الإعلامية والسياسية.

السؤال الذي لا يُطرح، لماذا تصمت الأنظمة العربية التي تصف إيران بأنها دولة ثيوقراطية بازدراء، بينما تمرر التوظيف الإنجيلي للبيت الأبيض أن يحكم دولة قائد ديني، فماذا يُسمى أن يُعتبر رئيس الدولة “مسيحاً مخلصاً” من قبل مستشاريه الروحيين؟ وإذا كان من “تطرف” استخدام الدين في السياسة، فماذا يُسمى استخدام سفر أستير لتبرير الحرب على إيران اليوم؟

هذه ليس مجرد مبالغات دينية عابرة. إنه تأسيس لشرعية دينية مطلقة: من يتحدى ترامب إنما يتحدى إرادة الله، ومن يقاتل إسرائيل إنما يعيد سيناريو “هامان والفرس” الذين أرادوا إبادة اليهود.

إنه خطاب يناغي وجدان الشعب الأمريكي، الهدف منه نزع الإنسانية عن الخصم، فالإيرانيون لم يعودوا شعباً له حقوق وحاجات، بل تحولوا إلى “النظام الشرير” و”أحفاد هامان”. 

كذلك يكرّس هذا الخطاب تقديس العنف غير المبرر الذي تمارسه أمريكا ضد إيران، والذي هو محل رفض كبير في الداخل الأمريكي، فإذا كان الله يقف خلف هذه الحرب، فإن أي فظائع ترتكب تصبح “واجباً دينياً”، وليس جرائم حرب. وبهذا الخلط بين السياسي والمقدس، لا يبقى مكان للمفاوضات أو الحلول الدبلوماسية أمام “شر مطلق” يجب محوه.