اليوم التالي (خاص):ماذا يحدث حين لا يكتفي الملك بحكم البلاد، بل يسعى لامتلاك الناس أنفسهم؟ حين يتحول من رأس دولة إلى صاحب مملكة يتصرف في الرأي كما يتصرف في الملكية، فيمنح الجنسية ويصادرها، ويوزع الجوازات والحقوق والولاءات كما لو كانت ممتلكات شخصية؟ في البحرين اليوم، لم تعد المسألة مجرد سلطة تدير دولة، بل سلطة تسعى لامتلاك المجال العام، والتحكم في الضمائر، وإعادة تشكيل المجتمع تحت مظلة الخوف والطاعة.
لم يعد القمع مقتصراً على إسقاط الجنسيات أو فرض الولاء داخل المؤسسات الرسمية، بل تمدد إلى الحياة اليومية عبر جيوش من الوشاة الجدد: ذباب إلكتروني، وحسابات تواصل اجتماعي تبحث عن الغنائم، وتقتات على التحريض، وتقتنص فرص الظهور عبر مطاردة الناس في آرائهم ومواقفهم. هؤلاء ليسوا رجال دولة ولا صناع قرار، بل أدوات صغيرة في ماكينة أكبر، يوظفون الغرائز الطائفية، ويغذون الفتن، ويفتشون في حسابات المواطنين كما لو كانوا حرّاساً على الضمير العام.
في هذا المناخ، يصبح الوطن مساحة مراقبة مفتوحة. تُرصد الكلمات، وتُفسَّر النوايا، ويُدفع المواطن إلى إعلان ولائه باستمرار كي ينجو من حملات التشهير أو التصنيف أو العقاب. لا يكفي أن تكون مواطناً صالحاً، بل عليك أن تثبت ذلك يومياً أمام جمهور من المزايدين الذين حوّلوا الوطنية إلى سوق للمكاسب الشخصية.
هنا تستعيد حكاية “الملك العاري” معناها الأكثر انكشافاً. الملك المأخوذ بصورته لا يحيط نفسه هذه المرة بنسّاجين كبار من الساسة أو الحكماء، بل بجموع من النسّاجين الصغار: حسابات إلكترونية، أبواق رقمية، ومروّجي خطاب شعبوي، ينسجون له ثياباً وهمية من التخويف والانقسام، ويقنعونه أن هذه الضوضاء هي الوطنية، وأن المزايدة هي الشرعية.
كلما تعرّت هشاشة الحكم أمام الواقع، زادت الحاجة إلى مزيد من هذه الأقمشة الوهمية: حملات تخوين، اصطفافات طائفية، واستعراضات ولاء مصطنعة. تُهدر الطاقات الوطنية لا لبناء الثقة أو إصلاح الدولة، بل لإدامة مشهد سياسي يقوم على إخافة المجتمع من نفسه.
لكن المفارقة أن هؤلاء النسّاجين الجدد، رغم ضجيجهم، يكشفون أكثر مما يخفون. فكلما ارتفع صوت التحريض، بدا العري السياسي أوضح. وكلما توسعت حملات المراقبة، ظهر حجم القلق الكامن داخل السلطة نفسها.
البحرين اليوم تواجه نموذجاً خطيراً، حيث تتحول الدولة من فضاء مواطنة إلى منظومة امتلاك، ويصبح الخوف وسيلة حكم، والطائفية أداة ضبط، والذباب الإلكتروني حاشية البلاط الجديدة. غير أن الأكاذيب، مهما كثرت منصاتها، لا تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد: حين يُختزل الوطن في صورة حاكم، وتُختزل الوطنية في تصفيق إجباري، يبدأ المشهد كله في فقدان هيبته، ويصبح السؤال الحتمي: كم من الوقت يمكن للملك أن يواصل السير عارياً، بينما الجميع بات يرى الحقيقة؟