تغییر اندازه فونت
16

اليوم التالي للتخوين: أبطال النصر البحريني

اليوم التالي (خاص): بعيدا عن الفكاهة التي استقبل بها خطاب النصر المؤزر الذي قدمه المتحدث باسم قوة دفاع البحرين، لنا أن نتساءل:إذا كان لكل نصرٍ أبطالُه، فمن هم أبطال هذا النصر؟
ليس في المشهد ما يشير إلى بطولة عسكرية واضحة تُروى وقائعها، ولا إلى حنكة سياسية تُقدَّم نتائجها للناس بلغة الأرقام والحقائق. ما برز، في المقابل، هو صعود أصوات فحيح الفتن والشعبوية والتحريض، مثل لطيفة عيد، عبير الجلال، سوسن الشاعر، عبدالله  السهلي، إبراهيم التميمي، جعفر سلمان، وغيرها من الأسماء التي قدّمت خطابًا متوترًا، يقتات على الاستقطاب أكثر مما يبني فهمًا.

في هذا النوع من الخطاب، لا تُقاس الوقائع بميزانها، بل تُعاد صياغتها بما يخدم الرواية الجاهزة. تُختزل الحرب في ثنائيات مبسّطة، ويُعاد تعريف الوطنية بوصفها اصطفافًا لا يحتمل التعدّد. ومع كل جملةٍ عالية النبرة، يتراجع سؤال الحقيقة خطوة، ويتقدّم خطاب التعبئة خطوة أخرى.

لقد تحوّل المشهد، في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون لحظة وعي وتضامن ووحدة وطنية، إلى مساحة يتقدّم فيها من يتقن رفع الصوت بالتخوين والسب والتحريض والوشاية والشتم، لا من يمتلك القدرة على الشرح. غاب التحليل الهادئ الذي يضع الناس أمام الوقائع، وحضر خطابٌ يُشجّع على التصفيق أو الاصطفاف، دون أن يقدّم إجابة واحدة عن الأسئلة الأساسية: ماذا تغيّر؟ ما الذي كسبناه فعلاً؟ وما الذي خسرناه؟

وهنا تكمن المفارقة: بدل أن يظهر “أبطال النصر” بوصفهم صُنّاع نتائج، ظهر “نجوم الوشاية والتحريض والفتن” يملأون الفراغ، لا لأنهم يملكون الإجابة، بل لأنهم يملكون الحماية. وفي هذا الفراغ، تُصاغ الوطنية بلغةٍ ضيّقة، وتُدار اللحظة بخطابٍ يقرّب الانقسام والطائفية أكثر مما يقرّب الفهم.

النصر الذي يُبنى بهذه الطريقة، يظلّ معلقًا في الهواء، لأنه لم يُقَس، ولم يُفحَص، ولم يُخضع للنقد. أما الدولة التي تبحث عن نصرٍ حقيقي، فهي التي تُنصت للنقد، وتكتب تاريخا جديدا لموقعها، وتُوسع مجال سيادتها،  وتُقدّم للناس حقائق قبل أن تطلب منهم التصفيق.