تغییر اندازه فونت
16

كيف تختار دول الخليج شكل يومها التالي؟

اليوم التالي (خاص): ماذا تفعل الدول حين تُحاصر بالخطر؟ هل تضيق بمجتمعاتها أم تتسع لها؟ وهل تُبنى الجبهة الداخلية بالخوف والاتهام، أم بالثقة والاحتواء؟ هذه الأسئلة لا تبدو نظرية في زمن الحروب، بل هي التي تحدد مصير الدول نفسها: هل تصمد، أم تتآكل من داخلها قبل أن يهزمها الخارج؟ 

في لحظات الحروب الكبرى، تُختبر الدول ليس فقط بقدرتها على مواجهة التهديدات الخارجية، بل بقدرتها على إدارة الداخل. فاليوم التالي هو نتيجة ما يحدث في اليوم الأول. الاحتواء هنا ليس مجاملة سياسية، بل شرط للاستقرار، لأنه يعني الاعتراف بمخاوف الناس، والإنصات لها دون وصم أو تخوين. فالداخل المتماسك لا يمنح الدولة فقط شرعية إضافية، بل يرفع من قدرتها على الصمود، ويحوّل المجتمع إلى شريك في المواجهة، لا عبئًا عليها.

في الحالة الخليجية الراهنة، لم يعد التحدي أحادي الاتجاه، بل صار مزدوجًا وخانقًا: تهديد خارجي يتصاعد، يقابله احتقان داخلي يتنامى. وهذه المعادلة، في حد ذاتها، كفيلة بإرباك أي دولة، لأنها تفتح جبهتين في وقت واحد. فبدل أن تتفرغ الدولة لمواجهة الخطر الخارجي، تجد نفسها منشغلة بإدارة التوتر الداخلي، أو بتصنيفه وضبطه، وهو ما يضعف قدرتها على التعامل مع كليهما.

في هذه اللحظة الفارقة، كان بإمكان النظام البحريني أن يقرأ القلق الشعبي قراءة حكيمة، أن يستوعب رفض الناس لوجود قواعد عسكرية أجنبية تجعلهم في خط النار، أن يُحول هذا التحدي إلى لحظة وحدة وطنية. كان بوسعه أن يُشيع خطاباً جامعاً يعترف بمشروعية المخاوف دون وصم أصحابها، خطاباً يجعل الجميع يشعرون بأنهم شركاء في مواجهة العاصفة. كان يمكن له أن يجعل من هذه الفترة الحرجة فرصة للمصالحة الوطنية، أن يُطلق سراح سجناء الضمير ويفتح صفحة جديدة، أن يُحول الشحن الخارجي إلى تفريغ للاحتقان الداخلي.

لكن النظام البحريني اختار، مرة أخرى، الطريق المسدود. عوضاً عن الخطاب الجامع، أحيا خطاب الفرز والتخوين، ذلك الخطاب القديم الذي يُستدعى كلما ضاقت السبل ونضبت الحلول. صار كل شيعي متهماً بالخيانة مالم يجاهر بعدائه لإيران وتحميلها جرم هذه الحرب وجريرتها. خطاب مقيت يربط الولاء بالموقف من قواعد عسكرية أجنبية، كأنها جزء من التراب الوطني أو عنصر من عناصر السيادة.

أكثر من مئتي بحريني تعرضوا للاعتقال على خلفية واحدة: التعبير عن رأي سياسي مختلف. جرائمهم تنوعت بين منشور يرفض وجود قواعد أجنبية على أرض الوطن، أو تعبير عن الحزن لاغتيال رمز ديني أو سياسي على يد إسرائيل وأمريكا. هكذا تُصادر حرية التفكير باسم الأمن القومي، وتُقمع حرية التعبير تحت شعار مكافحة الخيانة. إنها مكارثية جديدة تدور بذات العجلة القديمة: اعتقال وتعذيب واتهامات جاهزة تُلصق بكل من يجرؤ على التفكير خارج الصندوق المرسوم له.

استشهد محمد الموسوي بعد اثني عشر يوماً من اعتقاله، تحت التعذيب، تماماً كما استشهد علي فخراوي قبل خمسة عشر عاماً بعد يومين من اعتقاله. ذات البصمات الدموية، ذات أساليب التعذيب، ذات النهايات المأساوية. كأن التاريخ يُعيد نفسه بحذافيره، كأن الدروس لم تُتعلم والعبر لم تُستوعب، كأن النظام محكوم بقدر أعمى يقوده إلى ذات الأخطاء في كل مرة تشتد فيها الضغوط.

إلى جانب القمع الجسدي، تدور ماكينة إعلامية ضخمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تُدير حرباً نفسية منظمة تهدف إلى وصم كل صوت معارض بالخيانة والعمالة. خطاب يُشوه الرموز الدينية والسياسية، ويخلق حالة استقطاب طائفي مقيت، ويُصور أي مطلب سياسي مشروع كتهديد وجودي للدولة. 

إنها استراتيجية الأرض المحروقة في السياسة: دمار شامل للنسيج الاجتماعي على أمل أن تبقى السلطة وحدها واقفة على الأنقاض.

والسؤال هنا حول شكل اليوم التالي، هل ستحدده فقط نتائج المعارك، أم الطريقة التي اختارت بها الدول أن تدير مجتمعاتها في قلب العاصفة: باعتبارهم شركاء في المصير… أو خصومًا يجب ضبطهم؟