اليوم التالي (خاص): في الدول التي تحرص على استقرارها، يُفترض أن يكون الإعلام عامل توازن وتهدئة، لا منصة لنقل صراعات إقليمية إلى الداخل. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام إلى أداة تعبئة سياسية مرتبطة بأجندات خارجية، خصوصًا إذا كان من يدير هذا الخطاب قريبًا من دوائر صنع القرار.
في البحرين، يبرز مثال واضح يتمثل في رئيس إحدى أكبر المؤسسات الإعلامية في البلاد، وهو في الوقت نفسه مستشار قريب من الملك وصوته مسموع في دوائر القرار. هذا الجمع بين النفوذ الإعلامي والقرب من السلطة يمنحه قدرة كبيرة على التأثير في تشكيل المزاج السياسي العام، وعلى توجيه الخطاب الإعلامي نحو مسارات محددة.
اللافت في هذا الخطاب أنه يتبنى نبرة تصعيدية حادة تجاه إيران، ويتعامل مع الشأن الإيراني الداخلي بوصفه قضية مركزية في تغطيته الإعلامية. وتكاد المؤسسة الإعلامية التي يقودها تقدم نفسها كمنصة دائمة لمهاجمة النظام في طهران والتحريض ضده، وهو أمر قد يبدو في ظاهره جزءًا من الصراع الإقليمي، لكنه يكتسب بعدًا مختلفًا حين يُنقل إلى الداخل البحريني.
فهذا الخطاب لا يكتفي بانتقاد إيران، بل يربط الشيعة في البحرين بها بصورة مباشرة، ويصورهم بوصفهم امتدادًا سياسيًا أو أمنيًا لها. وبهذا يصبح جزء كبير من المجتمع البحريني موضوعًا دائمًا للريبة والاتهام، وهو ما يهدد النسيج الوطني ويغذي الانقسام الداخلي.
لكن ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا هو أن صاحب هذا الخطاب نفسه ينحدر من أصول فارسية، ويُعرف باهتمامه العميق بالشأن الإيراني، بل ويُعتقد أنه على صلة بتيارات أو جماعات سياسية إيرانية معارضة للنظام في طهران. وهذا يفتح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل التصعيد الإعلامي ضد إيران نابع من حسابات وطنية بحرينية بحتة، أم أنه امتداد لصراع سياسي إيراني يُعاد إنتاجه من داخل البحرين؟
فحين يصبح شخص شديد الانخراط في الملف الإيراني، ويحمل خلفية مرتبطة بصراعاته السياسية، صاحب تأثير واسع في الإعلام وفي دوائر القرار، فإن الخطر يكمن في احتمال أن تتحول البحرين إلى منصة لتصفية حسابات لا تخصها. والأسوأ من ذلك أن ثمن هذا التصعيد يُدفع داخليًا عبر خطاب يشكك في ولاء شريحة واسعة من المواطنين.
القضية هنا ليست الأصول بحد ذاتها، فالمواطنة لا تُقاس بالأعراق. لكن عندما تترافق الخلفية الشخصية مع خطاب إعلامي تحريضي يضع فئة من المجتمع في موضع الاتهام الدائم، ويستدعي صراعات خارجية إلى الداخل، فإن السؤال يصبح سؤال مصلحة وطنية: هل من الحكمة أن يكون لمثل هذه الأصوات هذا القدر من التأثير في تشكيل الخطاب العام وصناعة القرار في بلد يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يوحد لا خطاب يفرّق؟