تغییر اندازه فونت
16

ما بعد الحرب في البحرين: تجريف السكان تحت شعار الولاء

اليوم التالي (خاص): ما إن وضعت الحرب أوزارها، حتى بدا أن السلطة في البحرين اختارت أن تفتح جبهة أخرى في الداخل؛ جبهة تستهدف إعادة هندسة المجتمع نفسه. لم يكن الخطاب موجّهًا فقط لمعاقبة من تصفهم بالخونة، بل حمل في جوهره مشروعًا أعمق: تجريف التعدد السكاني، وإعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية تحت مظلة الأمن والولاء.

 في نظر الحكم، قد تبدو اللحظة فرصة لإعادة إنتاج البلاد بصورة أكثر انسجامًا مع مشروعه السياسي، عبر تقليص حضور التيار الشعبي العريض الرافض لإسرائيل ولمنظومات الهيمنة الغربية. غير أن هذا المسار، بدل أن يؤسس لبداية جديدة، قد يكون في الحقيقة شروعًا في كتابة سردية النهاية؛ نهاية الدولة الجامعة حين تضيق بتنوعها، وتبدأ في التعامل مع مجتمعها بوصفه عبئًا ينبغي إعادة تشكيله، لا وطنًا ينبغي احتواؤه.

في تجارب أخرى، حين وصلت الدول إلى هذا الحد، لم تكن المشكلة في المعارضة، بل في الخوف من وجودها. في البوسنة، وفي ما تبقى من يوغسلافيا السابقة، بدأت القصة حين تحوّل التنوع إلى عبء، وحين قُرر أن الحل يكمن في الفرز، لا في الاستيعاب. ما بدا آنذاك سياسةً ممكنة، صار مع الوقت قدرًا يصعب الإفلات منه. لقد تمزقت البلاد ولن تعود بعدها أبدا!

البحرين تقف الآن على عتبة مشابهة في جوهرها، وإن اختلفت في شكلها. المسار يُدار بأدوات حديثة، قوانين، مراسيم، إعلام، لكنه يحمل الفكرة ذاتها، مجتمع يُعاد ترتيبه تحت ضغط الخوف. وكلما اشتد الضغط، ازداد الانقسام عمقًا، واتسعت الفجوة بين الدولة ومن يفترض أنهم قاعدتها.

إنها إشارات واضحة. ما يجري في البحرين ليس سلسلة قرارات، وإنما مسار يتشكل، خطوةً خطوة، حتى يصل إلى نقطة يصبح فيها الرجوع أصعب من الاستمرار.

الدولة، حين تضيق بمجتمعها، تبدأ أولًا بإعادة تخريب اللغة والمصطلح. الولاءُ يحل محل الحق، والأمن يتقدم على القانون، والسيادة تصبح ستارًا لكل إجراء. ثم تنتقل إلى ما هو أخطر، إعادة تعريف الإنسان نفسه. المواطن لم يعد حامل حق، بل حامل صفة يمكن سحبها، تعديلها، أو تعليقها.

هنا يدخل الحكم طورًا مختلفًا. ليس طور السيطرة، بل طور إعادة التشكيل. تُنزع الجنسية، تُقصى النخب، تُصاغ ذاكرة جديدة، وتُفتح أبواب الانتماء لمن يوافق، وتُغلق في وجه من يعترض. المسألة تتجاوز العقاب إلى إعادة كتابة المجتمع على مقياس السلطة.

في هذا السياق، يصبح السؤال عن المستقبل سؤالًا عن الاتجاه، لا عن التفاصيل. إلى أين تقود هذه السياسات؟ هل إلى استقرار، أم إلى صمتٍ ثقيل يخفي ما يتراكم تحته؟

الدول، في لحظات كهذه، تختبر قدرتها على البقاء كإطار جامع. فإن اختارت أن تكون طرفًا في الصراع مع مجتمعها، فإنها تفتح بابًا يصعب إغلاقه. لأن ما يُسحب اليوم من أوراق، قد يُسحب غدًا من المعنى نفسه.

وحين يصل الأمر إلى إعادة تعريف من يحق له أن يكون جزءًا من الوطن، فإن القضية لا تعود قضية حكم… إنها قضية وجود. 

ما بعد الحرب في البحرين: تجريف السكان تحت شعار الولاء