تغییر اندازه فونت
16

 ما بعد هرمز، حائك السجّاد وأسد الأدغال 

استطاعت إيران أن تفرض واقعًا جديدًا طالما كانت تُحذِّر منه وتتوعّد بتنفيذه في أي حربٍ مفروضةٍ أو محاولةٍ جادّةٍ لخلخلة كيانها ونظمها الداخلي، وهو إحكام السيطرة على مضيق هرمز والتحكم بما ومن يدخل ويخرج منه. كانت هذه التحذيرات ومثيلاتها تنطلق في الفضاء العام على لسان كثيرٍ من المسؤولين الإيرانيين ولا تلقى آذانًا صاغيةً لمن يعنيها الأمر ويمسّها بشكلٍ مباشر، أعني الأنظمة الخليجيّة؛ ربّما ساعد في ذلك ما ترسّخ في اللّاوعي عند هذه الأنظمة من أن طهران ضعيفة لا تعني ما تقول.

فمن جهةٍ اعتادت هذه الأنظمة على السقف العالي للخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة الأمريكيّة والكيان الصهيوني الذي كان يصعب في حينها تصديق مستواه المُرتفِع مع عدم وجود تجربة ميدانيّة تُثبِت ذلك، بل وجود سلوك يُخالِف في ظاهره ذلك الخطاب، من الدخول في مشاريع دبلوماسيّة وإدارة الصراع بعقليّة براغماتيّة مبنيّة على حفظ المكتسبات وتأجيل المواجهة بأكبر قدر ممكن.

ومن جهةٍ أخرى، خلصوا إلى أنّ الاستراتيجيّة الإيرانيّة مبنيّة على طول النفس والصبر بعيد المدى على الواقع الشاذ الذي تعيشه المنطقة. فقد مارست طهران ضبطًا هائلًا للنفس تجاه المشاريع المضادّة لهذه الأنظمة ولم تستعمل أوراق الضغط القوية المتاحة لها.

اليوم، في ظلّ حربٍ مُدمِّرةٍ أمريكيّة صهيونيّة بمشاركة خليجيّة انطلقت بنيّة القضاء على النظم الداخلي الإيراني في تتويجٍ للمشاريع المضادّة المستمرّة منذ 47 سنة استطاعت إيران أن تمتصّ الصّدمة العنيفة بكفاءة بالغة، ومن فوقها أحكمت إغلاق المضيق ليس كما ينهي حائك السجّاد عُقدته الأخيرة بفنٍ ورويّة، بل كما يُحكِم أسد الأدغال فكّيه على فريسته.

وجدت إيران في السيطرة على المضيق تأثيرًا قويًّا وسريعًا ومتصاعدًا ربّما كان يفوق تقييماتها السابقة بحيث إنّ قيادتها أكّدت على أنّ إدارة المَضيق ستنتقل إلى مرحلةٍ ثانيةٍ حتّى بعد الحرب. هذا التأكيد جاء في سياق رسالةٍ لأنظمة الخليج بأن طهران لن تُظهِر نواياها الحسنة وصدق أخوّتها إلّا بعد الانفصال عن المشاريع الاستكبارية واختيار الجانب الصحيح من الصراع، مما يوحي بأنّ الاستراتيجيّة الإيرانيّة تبدّلت وانتقلت من محاولة الاحتواء إلى التصادم المباشر ومواجهة المشاريع المضادّة بسلوكٍ أكثر حدّة وجدّية من الماضي.

لا شك إنّ المضيق لن يكون هو عامل الضغط الوحيد الذي ستلوّح به الجمهورية أمام هذه الأنظمة مستقبلًا، لكنّ الواضح أنّه أهمّها وأقواها؛ للأثر الذي يتركه على اقتصادات هذه الأنظمة وعلاقاتها التجاريّة مع دول العالم. تفعيل هذه الورقة أو حتّى التلويح بها يمكن أن يُجبِر هذه الأنظمة على التراجع عن مواقفها العدائيّة، بل ربّما تصحيح واقعها السياسي الداخلي كما في الحالة البحرينية بما يُعطِي فرصةً للشعب البحريني ومعارضته لصياغة مشروع تغييريّ داخلي قائم على الفعل بالدرجة الأولى مدعوم بورقة الردع الخارجي الذي ستوفّره أدوات الضغط الإيرانيّة بما فيها السيطرة على المضيق.

في العام 2011 سحق النظام في البحرين الثورة الشعبيّة السلميّة مستعينًا بالدعم العسكري السعودي الإماراتي انطلاقًا من تقييمه أنّ الداخل يتأثّر بشدة بتوازنات القوّة الإقليمية، وأنّ الشعب مكشوف الظهر عن أيّ دعمٍ عابرٍ للحدود. لكن اليوم، على افتراض أن الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نجحت في تثبيت الواقع الإقليمي الجديد وأحسنت المُعارضَة البحرينية صياغة الخطاب المُقنِع داخليًّا وخارجيًّا فإنّ النظام في البحرين سيُفكِّر أكثر من مرّةٍ في كيفيّة معالجة أيّ صراع واسع قادم بينه وبين الشعب.

ما يكشفه التاريخ والتجربة لنا أن الجزيرة الصغيرة تتأثّر بتوازنات القوّة الإقليميّة وأنّ أيّ اختلالٍ في هذا التوازن يُعيد تشكيل حسابات النظام والمعارضة على حد سواء. وعليه، فإنّ المضيق في حال تحوّله إلى أداة ضغطٍ فاعلةٍ ومستقرّة، لن يكون مجرّد ملف جيوسياسي عابر، بل عنصرًا قادرًا على إعادة تشكيل البيئة السياسية في الخليج بما في ذلك البحرين، ليس عبر التدخل المباشر، بل عبر إعادة تعريف شروط القوّة والرّدع في الإقليم بأكمله.