اليوم التالي (خاص): في الحروب الكبرى، لا يُختبر السياسيون وحدهم؛ تُختبر أيضًا القامات الروحية التي يُفترض أن ترى الدم قبل الخرائط، والطفل المذبوح قبل التوازنات.
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر خرج بخطاب إنساني صريح ضد الحرب واستهداف الأبرياء، ورفض منطق التهديد الجماعي، ولم يتردد في توجيه نقد مباشر إلى أولئك الذين “امتلأت أيديهم بالدماء” وهم يشنّون الحروب، في إشارة واضحة إلى صُنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب. وقد واصل موقفه هذا رغم الهجوم العلني الذي تعرّض له من دونالد ترامب.
أما الأزهر، فبيانه الأوضح في 17 مارس/آذار 2026 جاء شديدًا في إدانة “الاعتداءات الإيرانية غير المبررة” على دول الخليج والجوار، ثم عاد شيخ الأزهر في 8 أبريل/نيسان فرحّب بوقف الحرب على إيران وتجنيب المدنيين ويلاتِها، لكنه قرن ذلك مجددًا بالمطالبة بوقف “الاعتداءات الإيرانية” كما سمّاها على الخليج.
هنا لم يكن الفارق في الموقف السياسي وحده، وإنما في كيفية اشتغال الضمير نفسه. البابا رأى المدنيين في إيران بشرًا ذوي حرمة، كما رآهم في غيرها؛ لذلك جاءت لغته من جهة الألم الإنساني. أما لغة الأزهر، في أكثر بياناتها وضوحًا، فقد بدت مشدودة إلى حسابات الإقليم والعلاقات السياسية، أكثر من شدّها إلى فظاعة أصل العدوان وحرمة دماء أهل إيران. لهذا لم يأتِ الاعتراض الإيراني من فراغ.
شخصية رفيعة كآية الله علي رضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، اعترض على بيان الأزهر لأنه تناول النتائج وتجاوز الأسباب، وسأل: كيف يُدان الردّ فيما يُغضّ الطرف عن “الجرائم الأميركية والإسرائيلية بحق الشعب الإيراني”؟ ثم عاد الأعرافي نفسه ليشيد بمواقف البابا، قائلًا في عبارة ملفتة، إن صوت البابا “أشرق كالنور في قلب الليل المظلم”.
وكان في هذه المفارقة ألمٌ آخر لا يقل قسوة عن مشهد الحرب نفسه. فإيران، شعبًا ودولةً ومؤسسات، طالما نظرت إلى مصر نظرة تقدير خاص، لا بوصفها دولةً عادية في الإقليم، وإنما باعتبارها مركزًا حضاريًا فريدًا، له وزنه في التاريخ والوجدان.
وقد عبّر عن هذا المعنى مرارًا قادتها وعلماؤها، وفي مقدمتهم السيد علي الخامنئي، الذي رأى في مصر دولةً ذات مكانة استثنائية. لذلك لم يكن موقف الأزهر حدثًا عابرًا في حساباتهم، بل صدمةً أخلاقية، وخيبة أملٍ عميقة لدى من كانوا ينتظرون من هذه القامة الدينية نبضًا يواسي آلامهم. لم يجدوا في خطابه حرارة الجرح، ولا رجفة التعاطف، ولا ذلك الارتعاش الذي يسبق كلمة العدل حين تُقال في وجه الدم.
في المقابل، جاء صوت البابا أقرب إلى البلسم، لا لأنه ينتمي إلى جغرافيا أخرى، بل لأنه اختار من عمق الضمير الديني والإنساني أن ينتمي إلى الألم نفسه.
هذه، في جوهرها، ليست مقارنة بين دينين، وإنما بين ضميرين، ضمير رأى الدم فتكلم، وضمير رأى السياسة أولًا فتأخر قلبه عن الجرح.