اليوم التالي (خاص): في خضم محاولات شيطنة المعارضة بوصفهم بـ «الوكلاء» من قبل الملك حمد بن عيسى آل خليفة، تبرز الوثائق البريطانية لتقدم إجابة مختلفة وموثقة حول طبيعة “الوكلاء” الحقيقيين الذين حكموا البحرين عبر التاريخ. وتشرح هذه الوثائق العلاقة التاريخية بين الإمبراطورية البريطانية والعائلة الحاكمة، كاشفة عن بنية من ازدواجية السلطة التي حولت البحرين إلى تابع سياسي فعلي.
تأسست العلاقة بين بريطانيا وآل خليفة بمعاهدة عام 1820، ثم تعمقت في 1861، وصولاً إلى اتفاقية 1892 التي جردت الحاكم المحلي من حقه في إقامة أي علاقات خارجية دون إذن مسبق من لندن. هذا المسار التاريخي أرسى ما عُرف بـ «الوكالة السياسية البريطانية» التي بسطت هيمنتها الفعلية على البلاد.
لقد كان للوكيل البريطاني المعتمد صلاحيات واسعة تفوق صلاحيات الحاكم المحلي، حيث تولى إدارة القضاء والمالية والضرائب، بل وتعيين الحكام وعزلهم. ووصف الباحث فؤاد الخوري هذه البنية بأنها “ازدواجية السلطة”؛ سلطة شكلية في يد آل خليفة، وسلطة فعلية راسخة لبريطانيا.
ازداد نظام الوكالة عمقاً في العام 1913 عندما نُقلت السيادة القضائية رسمياً إلى التاج البريطاني. وبذلك، أصبحت بريطانيا هي المرجعية القضائية العليا والمشرفة على الإدارة والأمن والجمارك، في حين تحول آل خليفة إلى مجرد جزء من البنية التنفيذية لهذا النظام الاستعماري. وفي حلقة للباحث الدكتور علي الديري من بودكاست (مرسوم البحرين الملكي١٩١٣) قال: يمكننا أن نصف هذا المرسوم بأنه مرسوم النهايات، ووكالة بريطانيا المطلقة: “نهاية عهد السخرة”، و” نهاية الإقطاع”، و”نهاية حكم القبيلة”، و”نهاية عيسى بن عليّ”، و”نهاية اللاحكم: الإقطاع”، و”نهاية ضرائب الإذلال”. لقد أصبحت البحرين وكالة بريطانيا في الخليج كله.
تجلت ذروة الهيمنة عام 1923، حين أجبر الضغط البريطاني المباشر الشيخ عيسى بن علي على التنازل عن الحكم، وتم تنصيب ابنه تحت الرعاية البريطانية الكاملة. وفي تعبير صارخ عن حجم هذه السلطة، عكست عبارة المقيم نوكس الشهيرة لآل خليفة هذا الواقع بوضوح: «مجرد وجودكم في الحياة لا يعني أن من حقكم العيش على حساب المجتمع».
في العشرينيات أدرك أجداد من يصفهم الملك اليوم بـ “الوكلاء” حقيقة نظام الوكالة الذي كان يتحكم في مصير الجزيرة. ولهذا السبب، وجه الحراك الشعبي صرخاته المطالبة بالإصلاح مباشرة نحو البريطانيين، الذين كانوا يحكمون البلاد فعلياً، وليس نحو الوكيل المحلي. لقد كان الإدراك راسخاً بأن مركز القرار الفعلي لا يكمن في قصر الحاكم، بل في مكتب الوكيل البريطاني، وهو واقع يرى فيه البعض استمراراً حتى يومنا هذا.