تغییر اندازه فونت
16

يوسف المحافظة: لماذا لا يصدق الناس وزير الداخلية؟

اليوم التالي (خاص): لماذا لم يلقَ تصريح وزير الداخلية ذلك الصدى الذي كان متوقعًا، رغم حجم الاستعداد والانتشار الإعلامي المصاحب له، ورغم محاولته تأكيد قانونية الإجراءات المتخذة ونفي الطابع الطائفي عنها؟ 

الجواب لا يرتبط فقط بمضمون الخطاب، بل بالسياق الطويل الذي تشكّل فيه الوعي الشعبي تجاه أداء الوزارة وسياساتها خلال العقود الماضية.

أولًا، لأن وزارة الداخلية ارتبط اسمها  في الذاكرة الحقوقية والشعبية بملفات ثقيلة تتعلق بقتل وتعذيب مئات المعتقلين من أبناء الطائفة الشيعية واعتقالهم بشكل تسعفي و حرمانهم من العلاج في السجن خلال السنوات العشرين الماضية، وهي ملفات ما تزال حاضرة في وجدان الناس، ولم تُطوَ آثارها السياسية والإنسانية وآخرها مقتل سيد محمد الموسوي تحت التعذيب 

ثانيًا، لأن الوزارة كانت طرفًا في سياسات التضييق على الحريات الدينية، سواء عبر هدم عدد من مساجد الشيعة، أو من خلال الممارسات المتكررة المرتبطة بمصادرة وتخريب اليافطات والشعائر العاشورائية، في مشهد يعكس استفزاز طائفي يستهدف الهوية الدينية والثقافية للشيعة

ثالثًا، لأن الاتهامات المتعلقة بالتمييز الطائفي لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على ممارسات ملموسة وموثقة حقوقيا، من بينها ما يتعلق بشهادات حسن السيرة والسلوك، والتي تحولت بحسب شكاوى واسعة إلى أداة حرمان وإقصاء وظيفي طالت عشرات المواطنين الشيعة وقطعت مصادر رزقهم.

رابعًا، لأن الوزارة اتخذت، على مدى سنوات، إجراءات وقيودًا استثنائية بحق الشيعة فيما يتعلق بالسفر وزيارة الأماكن المقدسة، سواء عبر المنع من السفر من المطار أو عبر فرض ترتيبات وإجراءات خُصِّصت لهم دون غيرهم، الأمر الذي عزز الشعور بالاستهداف والتمييز الطائفي 

خامسًا، لأن الحديث المتكرر عن المواطنة والسلم الأهلي يفقد أثره عندما يترافق مع صمت رسمي تجاه خطابات الكراهية والتحريض الطائفي التي تصل إلى حد التكفير والمطالبة بإسقاط الجنسية والدعوة للعنف ضد الشيعة، رغم ما قُدِّم بشأنها من شكاوى قانونية وحقوقية متكررة، وسط اتهامات بتقاعس وتواطىء الوزارة عن محاسبة المحرضين رغم هويتهم المعروفة 

سادسًا، لأن الخطاب بدا في نظر كثيرين وكأنه يحاول إثارة انقسام داخل البيت الشيعي نفسه، من خلال التلميح إلى بعض الشخصيات والتيارات الدينية، في استعادة لخطابات إعلامية سابقة سعت إلى تصنيف الشيعة وإثارة الخلافات بينهم. إلا أن هذا الطرح لم يجد التفاعل المتوقع، نتيجة تنامي الوعي الشعبي وفهم السياقات السياسية المرتبطة بمثل هذه الخطابات، بما في ذلك الإرث الذي خلّفه ما عُرف بـ” تقرير البندر” في الوعي العام.

وفي الخلاصة، فإن الخطاب الذي صدر عن وزير الداخلية عقب حملة أمنية استهدفت شخصيات دينية وعلمائية ينظر إليها قطاع واسع من الشيعة بوصفها رموزًا دينية وروحية، ثم يتضمن اتهامات ضمنية بالخيانة قبل صدور أحكام قضائية نهائية، سيكون من الصعب أن يحظى بالثقة أو القبول الشعبي.

ذلك أن المشكلة، لا تكمن في الخطاب ذاته فحسب، بل في الصورة المتراكمة للوزارة باعتبارها الجهة التي تقود سياسات الإقصاء والاضطهاد الطائفي تحت عناوين أمنية وسياسية مثل مكافحة الإرهاب أو التخابر، مستفيدة من أجواء الحرب لتمرير سياسات تستهدفهم على أساس طائفي.