تغییر اندازه فونت
16

سحب الجنسيات وتفكيك الكتلة السياسية، الكويت على مسار الإقصاء المؤسسي

اليوم التالي (خاص): منذ عام 2024، دخلت الكويت مرحلة غير مسبوقة من السياسات المتعلقة بالجنسية، مع تصاعد حملات سحبها من عشرات الآلاف من المواطنين، في واحدة من أكبر عمليات إعادة هندسة الجسم الوطني في تاريخ البلاد الحديث.

بحسب البيانات الرسمية، جُرّد أكثر من 71 ألف شخص من الجنسية، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الفعلي مع التبعية الأسرية قد يتجاوز 300 ألف شخص. هذه الأرقام لا تعكس مجرد ملفات قانونية، بل تعني فعليًا إعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية للدولة.

الأثر الأكبر لهذه الإجراءات يظهر في المجال الانتخابي؛ إذ تشير تقديرات إلى تقلص الكتلة الناخبة من أكثر من 834 ألف ناخب إلى نحو 347 ألفًا فقط، أي استبعاد ما يقارب 58٪ من الهيئة الانتخابية. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بضبط الجنسية، بل بإعادة تشكيل موازين القوة السياسية.

التوجهات الحكومية الحالية شملت أيضًا إلغاء قانون 44 لسنة 1994 مع ما يترتب على إلغائه بأثر رجعي، وهو ما أدى إلى سحب صفة “الكويتي بصفة أصلية” من أبناء المتجنسين، وبالتالي حرمانهم من تولي مناصب حساسة في القضاء والدبلوماسية والأجهزة الأمنية، إضافة إلى تقليص حقوقهم السياسية.

هذا التحول يفتح الباب أمام نظام طبقي قانوني يعيد تقسيم المواطنين إلى درجات متفاوتة من المواطنة، حيث يحتكر أبناء “المؤسسين” المواقع الأكثر تأثيرًا، بينما يُعاد دفع فئات واسعة إلى هامش الدولة.

تصف قطاعات واسعة هذه السياسات بأنها تشبه أنظمة الفصل الهيكلي، حيث يصبح الأصل الاجتماعي معيارًا للحقوق السياسية والمهنية. وتزداد المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تصدعات اجتماعية عميقة داخل المجتمع الكويتي، خاصة مع استهداف شرائح كبيرة ظلت لعقود جزءًا من مؤسسات الدولة.

ورغم خطورة هذه المرحلة، لا تزال ردود الفعل الداخلية محدودة، بفعل الخوف من مزيد من سحب الجنسيات أو العقوبات القانونية، ما يجعل كثيرين يفضلون الصمت والترقب.

الكويت اليوم لا تواجه فقط أزمة قانون جنسية، بل أزمة تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة لجميع مواطنيها، أم مشروع لإعادة تسليم السلطة والامتيازات لفئة محددة تحت شعار “الأصالة”؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الكويت السياسي والاجتماعي لعقود مقبلة.