تغییر اندازه فونت
16

افتتاحية: من عمرو بن كلثوم إلى محمد بن سلمان: كيف انكسرت هيبة العربي؟

اليوم التالي (خاص): في واحدةٍ من أكثر اللحظات قسوةً على الوجدان العربي، قال السيد حسن نصر الله كلامًا بدا كأنه مرثيةٌ كاملة لعصرٍ عربيٍّ منهار. قال إنه لا يحب الملك سلمان، لكنه شعر بالغيرة عليه حين أهانَه دونالد ترامب أمام العالم. لم يكن يتحدث عن خلاف سياسي، بل عن شيء أعمق بكثير: عن صورة العربي التي كانت يومًا ترفض الإهانة ولو دفعت ثمنها دمًا، ثم انتهت إلى مشهد حاكم عربي تُنتقص كرامته علنًا، فيما يقف بلا غضب، بلا اعتراض، بلا تلك الرجفة الداخلية التي كانت تجعل العربي القديم يثور حتى لو أُهينت ناقةٌ من قبيلته.

في تلك اللحظة، لم تعد الإهانة تخص ملكًا بعينه، بل بدت كأنها صفعة على وجه تاريخٍ كامل؛ تاريخ عمرو بن كلثوم، وأبي فراس، وعلي بن أبي طالب، والحسين. تاريخ الشخصية العربية التي كانت ترى العزة شرطًا للوجود، لا مجرد شعار يُرفع في الاحتفالات والخطب.

كان العربي القديم يعيش فقيرًا أحيانًا، جائعًا أحيانًا، مطاردًا أحيانًا، لكنه كان يحمل داخله ثروةً واحدة لا يسمح لأحد أن يمسّها: الكرامة. لم يكن يرى نفسه مجرد فرد يعيش تحت الشمس، بل كان يرى في ذاته صورة القبيلة والتاريخ والشرف. لذلك امتلأ الشعر العربي بتلك النبرة العالية التي تكاد تشبه صهيل الخيل أكثر مما تشبه الكلام.

حين أهانت زوجةُ ملك الحيرة أمَّ عمرو بن كلثوم، لم يحتمل الإهانة، ولم يبحث عن تبرير دبلوماسي، ولم يقل إن “الظروف معقدة”، ولم ينشغل بحسابات المصالح. قام وقتل الملك نفسه. هكذا كان العربي يفهم معنى المروءة: أن تُهان كرامتك يعني أن ينهار العالم كله.

ولذلك صاح عمرو بن كلثوم:

“ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا”

لم تكن القصيدة مبالغة شعرية، بل تعريفًا للشخصية العربية كما أرادت أن ترى نفسها: شخصية شامخة، عالية الرأس، تعرف كيف تغضب وكيف ترفض وكيف تدفع ثمن عزتها.

وحين كتب أبو فراس الحمداني:

“ونحن أناس لا توسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر”

كان يتحدث عن العربي الذي قد يخسر حياته لكنه لا يقبل أن يعيش صغيرًا. وحتى امرؤ القيس، التائه بين النساء والخمر والمنافي، ظل يحمل داخله ذلك الكبرياء الوحشي الذي لا يقبل الضعة.

أما علي بن أبي طالب، فكان نموذج الإنسان الذي يرى أن الشرف ليس زينة بل جوهر وجوده. ثم جاء الحسين بن علي ليصوغ العبارة التي اختصرت تاريخ الكرامة كله حين رفض أن يبيع شرف الكلمة ليزيد وقال: “مثلي لا يبايع مثله”

لم تكن الجملة موقفًا سياسيًا عابرًا، بل إعلانًا عن حدود الإنسان الشريف: هناك لحظة لا يعود فيها التنازل حكمة، بل يتحول إلى سقوط أخلاقي كامل. والحسين لم يخرج لأنه يطمع في مُلك، بل لأنه رفض أن يتحول إلى شاهد زور يمنح الشرعية للمهانة.

واليوم، يستعيد حفيدٌ له، السيد علي خامنئي، شيئًا من تلك النبرة حين يرفض أن تُدار أمته بلغة الإذلال، في وقتٍ بلع فيه كثير من العرب الإهانات واحدةً بعد أخرى حتى صار رئيس أمريكي يعبث بكرامتهم علنًا، بينما يصفق الإعلام ويبتسم الحكام أمام الكاميرات.

هنا تبدو المقارنة موجعة.

كيف تحول العربي من شخصية تقتل ملكًا لأن أمه أُهينت بسبب طلب زوجة الملك منها أن تناولها صحن، إلى شخصية يُهان رأسها علنًا، ويُعبث بمؤخرتها ضحكا،  فلا تتحرك فيها شعرة؟ كيف صار العربي يراقب حكامه وهم يُعاملون كموظفين صغار في بلاطات القوى الكبرى، ثم يخرج الإعلام ليبيع ذلك على الناس باعتباره “حنكة” و”حكمة” و”واقعية”؟

ما الذي حدث لهذه الأمة حتى صار محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد، وحمد بن عيسى، وغيرهم، يمثلون نموذج العربي الجديد: عربي يملك المال والطائرات والأبراج والقصور، لكنه لا يملك تلك الوقفة الداخلية التي تجعل الإنسان يبدو كبيرًا حتى في صمته؟

المشكلة ليست في القوة ولا في السياسة، بل في الشخصية نفسها. في هذا النموذج الزائف الذي يتقن صناعة الصورة أكثر مما يتقن صناعة الهيبة. شخصية تتحدث كثيرًا عن العظمة بينما ترتجف أمام الإهانة الحقيقية. ترفع صورها على المباني العملاقة، لكنها لا تستطيع أن ترفع رأسها بصدق.

لقد كان العربي القديم يبالغ أحيانًا في الفخر، لكنه كان فخرًا نابعًا من إحساس داخلي بالعزة. أما العربي الرسمي الجديد، فيعيش على تضخيم فارغ: حفلات، استعراضات، مؤتمرات، كاميرات، جيوش إلكترونية، وأغانٍ وطنية صاخبة، بينما الروح نفسها منكسرة من الداخل.

ولهذا تهرب الأمة من رؤية صورتها الحقيقية في الشخصيات التي ما زالت تحمل شيئًا من الكبرياء والمواجهة. تهرب من رؤية انعكاس تاريخها في وجوه رجال المقاومة، لأن هذه الوجوه تذكّرها بما فقدته. تذكّرها أن العربي كان يومًا ما يرفع رأسه، ويتكلم بثقة، ويواجه، ويغامر، ولا يحسب كرامته بلغة الأرباح والخسائر.

لقد صار العربي يعيش أزمة صورة عن نفسه. يسمع شعر المتنبي وأبا فراس وعمرو بن كلثوم، ثم يرى واقعه مليئًا بشخصيات مصنوعة من العلاقات العامة والخوف المقنّع بالأناقة.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: ليس أن العرب خسروا القوة، بل أنهم خسروا الإحساس الداخلي بالعزة. خسروا تلك النبرة العالية التي جعلت شاعرًا جاهليًا يرى الإهانة أسوأ من الموت.