تغییر اندازه فونت
16

 القرصنة الإيرانية؟.. أم الشيطنة الإماراتية؟

اليوم التالي (خص): تقول الإمارات إن محاولة إيران لفرض رسوم عبور من مضيق هرمز تعتبر “قرصنة”. هذا التصريح، الذي حملته وكالة “صدى نيوز” نقلاً عن مصادر دبلوماسية إماراتية، يفتح تساؤلاً حول الدقة القانونية لهذا الوصف. فهل يمكن حقاً وصف إجراءات دولة ذات سيادة في مضيق دولي بأنها قرصنة؟

في القانون الدولي، وتحديداً في المادة 101 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، القرصنة تعني عملاً غير قانوني من عنف أو احتجاز ترتكبه سفينة خاصة ضد سفينة أخرى في أعالي البحار، أي في منطقة لا تخضع لولاية أي دولة. وببساطة، القرصنة لا تشمل الإجراءات التي تتخذها دولة بحكم سيادتها، حتى لو كانت مثيرة للجدل. مضيق هرمز مضيق دولي، لكن إيران تمتد سيادتها على جزء من مياهه الإقليمية، وللدول حق تنظيم الملاحة في مياهها وفق القانون الدولي. يمكن اعتبار فرض الرسوم انتهاكاً لاتفاقية المرور العابر إذا كان تعسفياً، لكنه لا يصل إلى حد القرصنة.

الواضح أن الهدف من هذا التصريح الإماراتي، والذي جرى تكراره على ألسنة المناوئين في المحطات الفضائية المختلفة، هو محاولة لشيطنة السلوك الإيراني قانونياً وأخلاقياً، وحشد تأييد دولي ضد طهران، وربما تمهيداً لتحرك بحري لحماية الملاحة تحت مسمى مكافحة القرصنة. لكن جوهر الخلاف هو تنظيم المرور، وليس السرقة البحرية.

هنا تبرز مفارقة كبرى: لم يسبق لإيران أن أغلقت مضيق هرمز طوال تاريخها. منذ الحرب مع العراق في الثمانينيات، مروراً بذروة العقوبات، ظل التهديد الإيراني حبيس التصريحات، مجرد ورقة ضغط سياسي. لكنها اليوم فعلت. لماذا اخترقت إيران هذا الخط الأحمر الذي ظلت تتراجع عنه؟

في الماضي، كانت طهران تدرك أن إغلاق المضيق أشبه بإطلاق النار على قدمها؛ فـ90% من صادراتها النفطية تمر عبر هذه المياه، والإغلاق يعني خنق اقتصادها. أما اليوم فالمعادلة مختلفة. الحرب قائمة، والعقوبات مشددة، والنفط الإيراني غير قادر على الوصول إلى الأسواق بشكل طبيعي. عندما تكون قد خسرت الكثير، يصبح الخيار المستحيل ممكناً.

لكن الأهم هو ما كشفه تفعيل هذا الخيار: قيمة هذا السلاح الذي ظل عقوداً في الجعبة. فوجئت طهران بفعالية إغلاق المضيق، وبمدى سهولة تعطيل حركة مرور تشكل 20% من إمدادات النفط العالمية. اكتشفت القيادة الإيرانية أن لديها رافعة اقتصادية هائلة، وليس لديها ما تخسره باستخدامها الآن.

ربما يكون أكبر درس في هذه الحرب هو أن إيران تجاوزت أخيراً الخط الذي ظلت ترسمه بنفسها لعقود. وبمجرد تجاوز هذا الخط، قد لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه أبداً.

أما الاتهام الإماراتي بالقرصنة، فهو قرصنة لفظية، تهدف إلى شيطنة إيران، بدلاً من شيطنة الأطراف التي أوصلت إيران إلى استخدام هذا الخيار للمرة الأولى في تاريخها.