اليوم التالي (خاص): في العام 2014 اعتقل الشاب سيد محمد الموسوي على خلفية انتفاضة 14 فبراير 2011 المناوئة للنظام في البحرين. مع السنوات استطاعت الحكومة سحق الانتفاضة عبر اعتقال أو نفي جميع القيادات السياسية، إغلاق جميع المؤسسات السياسية والصحافية وحتى الدينية (المحسوبة على المعارضة أو على الشيعة)، منع صلاة الجمعة، وتغييب الآلاف من الشباب في السجون.
ولد الموسوي في 2 مارس 1994م، تخرج من المدرسة ودخل السجن، فقد اعتقل في 2 أكتوبر 2013م، قضى 12 سنة في المعتقل، كانت لديه خطيبة، انتظرته عقدا حتى خرج من السجن عام 2024 وتزوجا! لكن ليس هذا كل ما في القصة!
نهاية شهر رمضان كان سيد محمد برفقة ابن خالته، سيد أحمد الموسوي (رادود حسيني) ومجموعة من الأصدقاء في سيّارة حين اعترضتهم نقطة تفتيش مفاجئة واعتقلتهم جميعا. تماما كما كان يحدث أيام حالة الطوارئ عام 2011، انقطع الاتّصال بهم تماما ولم يُعرف مصيرهم! ثم فجأة اتّصلت السلطات بعائلة السيّد لاستلام جثّته من المستشفى العسكري!
كان تسلسل القصّة غريبا جدا جدا. لماذا لم تُعلن وزارة الداخلية عن موته قبل تسليم جثته، كما تفعل دائما مع نزلائها؟! ما الذي حدث حتى يُقتل بهذه السرعة (في ظرف أسبوع)؟ ولماذا هو تحديدا؟
خلايا لم تستيقظ
بعد اعتقال العشرات على خلفية “التعاطف” مع إيران (أو تمجيد ضرباتها ضد المصالح الأمريكية في البحرين)، خرجت الدولة سريعا بذات الرواية التاريخية: “الخلايا”، مع تهمة التجسس لصالح الحرس الثوري، بل وإرسال إحداثيات وصور من البحرين له! ادّعت الداخلية لاحقا أن السيد محمد الموسوي كان أحد المتّهمين في هذه الخلايا (مع أنّ النيابة لم تعلن اسمه ضمن قوائم الخلايا المكتشفة).
لا يمكن أن يوجد في هاتف سيد محمد أي اتصالات سياسية أو عسكرية، وفي أقصى تقدير قد يكون عناصر الشرطة (في نقطة التفتيش وبشكل عشوائي) قد رأوا صورا للقائد الشهيد الإمام الخامنئي، وربما رسائل خاصة في الواتس أب تتداول الأخبار، أو تعبر عن الفرح بدك حصون الطغاة والجبابرة.
كتبرير فج لحملتها الأمنية، لجأت الحكومة إلى خلاياها التي لم تستيقظ منذ 47 عاما، ولكن في توقيت خاطئ. لا حاجة لخلايا نائمة اليوم، ولا حاجة للتخابر مع الحرس الثوري، فقد أثبت أنّه يعرف كل مكان في الخليج كلّه، وليس في البحرين فقط! وفي زمن الستالايت والجوجل ماب، لا أحد يحتاج إلى جواسيس لمعرفة الإحداثيات، هو دقيق بما يكفي ليعرف مكان الرادار في القاعدة الأمريكية بالجفير و”ينيشن” (يوجّه) عليه ليقصفه بدقّة.
لماذا سيد محمد؟
يتوقّع أحدهم بأن ما جرى مع سيد محمد الموسوي قد يشبه ما جرى مع رجل الأعمال الراحل الشهيد عبد الكريم فخراوي. تلاسن وجرأة انتهت به إلى أعمق غرف التعذيب المظلمة، حيث لا وساطات تشفع! ثم الموت الزؤام!
ولكن، منذ بداية الحرب على إيران، استهدفت السلطات البحرينية على نحو لافت العجم الشيعة** (البحرينيين ذوي الأصول الإيرانية الشيعية)! اعتقلت العشرات منهم بشكل عشوائي ودون سبب يذكر، وحقّقت مع كثيرين، بما فيهم الرادود محمد غلوم المشهور بالإصدار العربي من أنشودة سلام يا مهدي.
كان السيد محمّد شابا متديّنا عائلته أصولها إحسائية ومازالت جذورها هناك، لكنها بسبب الظلم المتوارث هاجرت، وإحدى هجراتها كانت في إيران، لذلك كان الشهيد محسوبا على “عجم” المحرّق، وتعاملت معه السلطات على هذا لأساس.
حقيقة ما جرى علي الشهيد دُفنت معه في قبره، لكنّه جمع كثيرا من العناصر التي تؤهّله لأن يكون “أوّل مُعتقل سياسي يُقتل بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران”. فهو شاب بحريني عجمي (من أصول إيرانية)، شيعي متدين، معتقل سياسي سابق، ومتفاعل مع الحرب على إيران! لقد قدمّته السلطات على مذبح الإرهاب (إرهاب الدولة)، كإنذار أخير لكل الشيعة في البحرين: لا تفرحوا، لا تحزنوا، ولا تشمتوا! لا تعبرّوا عن أي شعور! ممنوع التعاطف، ممنوع الحداد، ممنوع الترحم، وممنوع سب إسرائيل وأمريكا!
رسالة الحكومة مكتوبة على جثّة الموسوي!
لم تُعلن وزارة الداخلية مقتله مسبقا، لأنّها أرادت أن يبدو الحدث خطيرا ومخيفا جدا، وأن تكون الرسالة قويّة وصارمة. حملت جثة سيد محمد بنفسها رسائل الدولة للمجتمع الشيعي في البحرين، بهذه البشاعة، هي في حدها الأدنى تريد تحييد المجتمع الشيعي ووقف كل إزعاجه وضوضائه المربكة (فوق كل هذه الصواريخ). لكنّها أيضا تُقرأ كانتقام*** من البحرينيين الشيعة لاحتفالهم بسقوط الصواريخ والمسيّرات على القاعدة الأمريكية في الجفير، وتصويرهم الحدث كما لم يصوّر في أي منطقة. انتقام من تمجيد إيران والفرح بضرباتها ضد مصالح الأمريكان والإسرائيليين في البلاد تحت عنوان: معاقبة الخيانة.
لا يوجد سبب لاعتقال سيد محمد وقتله، لقد أُعدم في السجن عمدا، لغرض واضح: كان على الحكومة أن تعيد هيبتها أمام الخارج القوي، وتذكّر بقوّتها أمام الداخل الضعيف، بعد سيل تلك المقاطع الفاضحة. كان البحرينيون الشعب الوحيد الذي فرح واحتفل بضرب أهداف في بلاده، تعود أو تستخدم من الأمريكيين والإسرائيليين، الشعب الخليجي الوحيد الذي تمنّى النصر لإيران، علنا، ما هدّد كل صورة الحكم وشكّك بقدرته على بسط السيطرة والصمود أمام الفوضى والتمرّد وتحدّي الداخل، فيما لو تفاقم التهديد الخارجي!
حفّز الحكومة أيضا هرولة دول الخليج (عدا السعودية وعمان) إلى الزعم بكشف خلايا تعمل لصالح إيران وتخطط لأعمال عدائية داخل البلاد، كان أكبرها ما ادّعته الكويت.
فعلت الحكومة ما هي جيدة فيه (بخلاف نظام صفارات الإنذار الإلكتروني): الاختطاف والتعذيب. هكذا قامت سرّا بتفعيل “وضع” الدولة البوليسية، وحالة الطورائ غير المعلنة. في مقدّمات هذه العملية، أفرجت السلطات فجأة عن أكثر من 220 سجينا (غير سياسي)، ليتّضح أنّها كانت تخلي المكان لأكثر من 200 آخرين، في غضون شهر!
بينما كان الناس مشغولين تماما بوصول الحدث التاريخي إلى سماء بلادهم وأرضها، بدأت حملة الانتقام العشوائي والاستقواء على الضعفاء الممتهنين، بكل هدوء، وبطء. يخرج مجموعة شباب ليتناولوا وجبة السحور ليلا، فيختفون تماما. حتى الصحف والحسابات الإلكترونية كانت تجهل ما يحدث تماما، فتنشر مناشدات العوائل عن اختفاء أولادهم، ثم يظهر أنّهم اختطفوا من نقطة تفتيش، وتنشر صورهم فجأة في الصحف: عملاء وخونة!
لم يُمهل الوقت أن تُنشر صورة سيد محمّد، وقعت القرعة عليه سريعا، ليكون هو “الرسالة” لكل من تسوّل له نفسه من البحرينيين الشيعة: أيا كانت نتيجة الحرب على إيران، سيبقى هذا مصيركم!
هامش:
** كان البحرينيون العجم هدفا دائما للسلطات، منذ تجنيسهم في ثلاثينات القرن الماضي، سواء عبر الاستخدام أو الاستهداف. كان سبب تجنيسهم على ما يبدو هو لقطع علاقة الشاه والدولة في إيران بهم تماما، ومنع تدخّلها في أي شيء يحدث في البحرين بحجّة أن هؤلاء رعاياها. في الاستفتاء الذي أجرته الأمم المتحدة عن استقلال البحرين أو اتحادها مع إيران عام 1970، أيّد العجم الاستقلال بقوّة! لكن ذلك لم يشفع لهم لدى الدولة، التي عملت على إبقاء هاجس (الجنسية) لديهم حيا، كورقة ابتزاز تخرج في أي لحظة! بعد قمع انتفاضة العام 2011، أرادت السلطة كعادتها استخدام “العجم”، لشق الصف الشيعي، وإظهارهم كفئة موالية، لكن ذلك لم يحدث! كلّف ذلك كثيرين حياتهم وليس فقط جنسيتهم، على رأسهم الشهيد فخراوي، في حين أُسقطت الجنسية عن الشيخ حسين نجاتي، أحد أكبر علماء الدين في البلاد ونفي من البلاد حين رفض الخضوع لضغوط الدولة.
*** ممارسة الدولة في البحرين للانتقام ليست فكرة وليدة الخيال، وهي مثبّتة في تقرير لجنة تقصي الحقائق المستقلة عام 2011