تغییر اندازه فونت
16

افتتاحية اليوم التالي: هل نحن دول… أم مواقع؟

اليوم التالي (خاص):هل نحن في الخليج: قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية وعمان، دول تمتلك قرارها، أم مواقع تُستخدم ضمن شبكة أكبر منها ؟

الخليج لا يُدار من عواصمه. القرار يُصاغ في واشنطن، يُدار في تامبا داخل غرف القيادة العسكرية، وتُستكمل معادلته في تل أبيب، ثم يصل جاهزًا إلى هذه المنطقة ليُنفَّذ فوق أرضها ومياهها. ما يجري هنا ليس سيادة موزعة، بل سلطة مُرحّلة بالكامل إلى خارج الجغرافيا.

في هذه المعادلة، لا نبدو دولًا تفكر وتقرر، بل مواقع تُشغَّل. مواقع تُفتح موانئها حين يُطلب منها، وتُستخدم أجواؤها حين تُستدعى، وتُوضع أراضيها في قلب معارك لم تُصغ قراراتها فيها. هذه ليست شراكة، بل وظيفة. وليست حماية، بل إدارة عن بُعد.

الدولة، في تعريفها الأدنى، هي أن تملك قرارك حين يختلف الآخرون عنك. أن تقول “لا” حين لا يخدمك المسار. أن تُغلق سماءك، أن تُعيد تعريف مصالحك، أن تفرض حدودك على من يريد استخدامها. لكن ماذا يتبقى من هذا التعريف حين تتحول الحدود إلى ممرات، والسماء إلى مجال مفتوح، والقرار إلى شيء يُتخذ في مكان آخر؟

نحن لا نعاني من نقص في الخطاب عن الوطن، بل من فائض فيه. نرفع شعارات السيادة، ونحتفي بالرموز، ونُشدّد على الهوية، بينما يُعاد توزيع القرار في أماكن لا نراها. نُدرّب أنفسنا على الخوف من كل ما يعبر الحدود دينيًا أو فكريًا (ولاية الفقيه)، لكننا لا نسأل عن آلة عسكرية تعبر الحدود يوميًا وتُعيد رسمها.

المفارقة القاسية أن ما يُقدَّم لنا كضمان للأمن، هو نفسه ما يُحوّلنا إلى جزء من معادلات لا نملك التحكم بها. الوجود العسكري الخارجي لا يحمي فقط، بل يحدد، يوجه، ويضعنا في موقع داخل صراعات لم نختر توقيتها ولا شكلها. وحين تتصاعد هذه الصراعات، نكتشف أن دورنا لم يكن يومًا دور من يقرر، بل من يُستخدم.

تجارب الدول التي تملك قرارها لا تحتاج إلى شرح. السيادة ليست بيانًا، بل فعل. أن تُغلق مجالك الجوي حين تريد، أن تمنع استخدام أرضك في حرب لا تخصك، أن تقول “لا” حتى لو كانت مكلفة. أما حين يغيب هذا الخيار، فلا يبقى من السيادة إلا اسمها.

في الخليج، هذا السؤال لا يُطرح بجدية: من يملك القرار؟ من يحدد استخدام الأرض والسماء؟ من يرسم حدود الممكن والممنوع؟ كأن الإجابة معروفة سلفًا، لكننا نتجنب قولها.

اليوم، لم يعد بالإمكان تأجيل السؤال. المنطقة تتغير، موازين القوة تُعاد صياغتها، والخرائط تُكتب من جديد. وفي قلب كل ذلك، يبقى السؤال الذي يفضح كل شيء:

هل نحن دول… أم مواقع؟

في “اليوم التالي”، لا نطرح السؤال لترف فكري، بل لأن تجاهله هو ما أوصلنا إلى هنا.
فالوطن لا يُقاس بما نعلنه عنه،
بل بمن يملك قراره.

واليوم التالي… يبدأ حين نجرؤ على الإجابة.