تغییر اندازه فونت
16

كيف رُوِّضَ ” أسود الإخوان” في أقفاص الذهب؟.. من وحي قضية براء ريّان  

اليوم التالي (خاص): أخطر الخصوم ليس من يُقصى دفعةً واحدة، وإنّما من يُستدرج إلى الاعتماد الكامل، ثم يُعاد تشكيله بهدوء، حتى يفقد جوهره وهو يظن أنه ينجو بنفسه.

هذه قصّة استراتيجية احتواء ناعم بلغت ذروة الدهاء، فالهدف يمكن تفريغه من داخله من غير ضجيج.

“الإخوان المسلمون”، الجماعة التي كانت يوماً عابرة للحدود جامعة للكثيرين، بدت كمُختبر ميداني لإنتاج تنظيمات، جرى ضخ الكثير من مجامعيها في أوردة الجغرافيا الممزقة في سوريا وليبيا واليمن.

 أما “النخبة المثقفة” من الكوادر والمثقّفين والدعاة، فقد فُتحت لهم الأحضان في بلدين مهمّين، الدوحة وإسطنبول، هناك هطلت العطايا والرواتب عالية، والمناصب الأكاديمية والاستشارية، والمنابر الإعلامية، بعضهم منحوا الجنسيات، ومع الوقت، تغيّر معنى المنفى نفسه، لم يعد منفى بالمعنى القديم، وإنما ترتيب جديد للحياة. 

عند هذه النقطة يبدأ التحول، حيث تتحول الجماعة من حامل مشروع إلى أفراد وعوائل تخاف خسارة الامتياز أكثر من خوفها على الفكرة.

لقد تحولت أغلبية “النُخبْ” منهم بمرور الوقت من دعاة ومُضحّينَ لأجل مباديءَ، إلى “داعمي سُلطة” وأصوات تتحدث وفق سعة وضيق هوامش المصالح القطرية التركية.

 قطر استطاعت بجدارة أن تُفكك بنية جماعة الإخوان المسلمين وتعيد هيكلتها، عبر سياسة التمويل القاتل، تولّدت من “حالة الرخاء” أفكار ومشاريع كثيرة غير فكرة التغيير والجهاد،  تم خلق حالة من الاعتمادية الوجودية الكاملة، حالة تمتد من الآباء للأحفاد، حتى لا يعود أحدهم يرى شيئا غير  الدوحة “كعبة المضيوم”

 لقد نُقل القادة المُلاحقين بخطر الموت في المعتقلات أو بمسدسات الاغتيال، إلى فيلات الرفاه والنعيم، والمال والراحة آفتانِ خطيرتان، لقد جرت إعادة برمجة العقل التنظيمي ليصبح أداةً في حقيبة الدبلوماسية القطرية التركية. لدرجة أنك تجد جماعة الإخوان تصدر بيانا باسمها في حادثة تحطم طائرة هليكوبتر قطرية خرجت في “مهمّة روتينية”، وأما موقفهم من الحرب الأمريكية الصهيونية علي إيران فهو فضيحة بكل المقاييس. 

المفارقة، أننا بعد أكثر عامين طحن خلالهما شعب غزّة في  معركة طوفان الأقصى،  لا نجد قائداً إخوانياً واحداً  – خارج إطار حماس الفلسطينية –  نزفَ قطرة دمٍ واحدة من أجل غزة، لقد ابتلعتهم رحلة الشتاء والصيف بين الدوحة واسطنبول، بعيداً عن “البوصلة المركزية”. 

اليوم، يعيش هؤلاء بين مطرقة أنقرة وسندان الدوحة، في حالة من الرعب المستتر؛ بعضهم يُدرك يقيناً أنه “ورقة تفاوض” قد تُسلم للسلطات المصرية في أي لحظة مثما، أو يُلقى به في منافي أوروبا ليعيش حياة اللجوء الباردة، أو يرمى في مخيمات اللجوء في لبنان أو الأردن. 

لقد بات خيار “الأمن الفاخر” هو الخيار المفضّل على حساب المبادئ المُكلفة بالتضحيات الجسيمة التي تحتاجها، هكذا تموت الجماعة إكلينيكياً شيئا فشيئا، بعد أن كانت تدعي امتلاك مفاتيح التاريخ وأنها  رافعة الأمة التي بُشّر بها في التراث الإسلامي الشريف.

* براء ريان، هو نجل الشهيد نزار ريان، أحد أبرز قادة حركة حماس في قطاع غزة. قُتل في غارة إسرائيلية على غزة في يناير/كانون الثاني 2009.

سُجن الفلسطيني براء نزار ريان في قطر بعد تغريدة انتقد فيها سياسات دونالد ترامب والعدوان الأمريكي على إيران، حيث اتُّهم بـ”إثارة الرأي العام”، ووفق روايته تعرّض خلال احتجازه للضغط والتعذيب وطلب منه تسليم حساباته والتعهد بعدم الحديث في السياسة.
وبعد الإفراج عنه لم يُسمح له بالعودة إلى قطر، وطُلب من عائلته إخلاء السكن المرتبط بعمله في الجامعة، ما يعني عمليًا طرده من البلاد وإنهاء عمله وحياته هناك. القضية، كما عرضها، كانت بسبب رأي سياسي نُشر على وسائل التواصل، وانتهت بالسجن ثم الإبعاد ومنع العودة.