اليوم التالي (خاص): في فيلم Mad Max: Fury Road الصادر في العام 2014، لا يحكم (إيمورتان جو) الصحراء في عالم ما بعد انهيار الحضارة، لأنه أشد الرجال بأسًا فحسب، يحكمها لأنه يضع يده على ثروة الماء. حوله حصن مرتفع، وعبيد، وجيش مروَّض على الموت، ونساء محتجزات لإنجاب نسلٍ “نقي” تماما كفكرة جزيرة ابستين.
الزعيم الأشقر، يمسك بالعنصر الأول في حياة البشر: الماء. ومن يملك الماء، يملك الطاعة. ومن يوزّع القليل، يضمن أن يبقى العطشى تحته، يرفعون رؤوسهم إلى حصنه العالي كأنهم لا ينظرون إلى طاغية، بل إلى قَدَر. هناك، في تلك المدينة المقفلة على الفاقة والخوف، تُدار السلطة بالسلاح وتُدار بالحاجة، وفكرة التفوّق على بقيّة العالم، وبإقناع الجماعة المُنهكة أن بقاءها مرهون ببقاء هذا النموذج.
لهذا لا يبدو الفيلم، اليوم، مجرد عملٍ عن عالم ما بعد انهيار الحضارة، وإنما عن عالمنا وهو يقترب من صورته الأكثر فجاجة (عالم ما بعد الأخلاق). فالدكتاتور الأشقر الذي يقف فوق المورد، ويمنح الفتات، ويتلاعب بالنساء، ويُنشئ جيشًا مجنونا، ليس بعيدًا عن نمطٍ سياسي معاصر يتعامل مع العالم كله بوصفه خزانًا للسيطرة، من يضع يده على النفط، وعلى الدولار، وعلى الغذاء، وعلى الممرات، وعلى السلاح، لا يحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض؛ يكفيه أن يجعل الحياة نفسها مشروطة بإرادته. هنا تلتقي الصورة السينمائية مع صورة العالم الذي يديره دونالد ترامب وحضارته الجديدة: حصار، وتهديد، وصناعة أعداء دائمين، وإخضاع الدول عبر الحاجة. والعقوبات، والخطف، والاغتيال، والحرب والتدمير الوحشي دون أيّ هوادة.
في هذا المعنى، يبدو إيمورتان جو أقل شبهًا بشرير خيالي، وأكثر شبهًا بشرير حقيقي وبمنطق حُكم كامل: قدّم نفسك للعالم مُنقذًا للحضارة، للنساء، للأطفال، بينما أنت سبب الخراب. ارفع شعار القوة والتدمير، وأيضا تحكّم في عطش الآخرين.
هذا هو جوهر النبوءة البرتقالية الخالية من الأخلاق، هي خلاصة وذروة الحضارة المادية الغربية، فالطغيان الحديث لم يعد يحتاج إلى لغة قديمة أو تاج قديم؛ يكفيه أن يحتكر الضروري، ثم يطلب من العالم أن يشكره على بقائه حيًّا. عندها لا يعود الفيلم حكاية عن مستقبل متخيّل، بل مرآةً لعصرٍ بدأ يتكلّم بلسان الشيطان.
* اسم إيمورتان جو يعني حرفيًا “جو الخالد” أو “الرجل الذي قدّم نفسه أنه لا يموت لأنه يسيطر على الماء والناس”.