تغییر اندازه فونت
16

نبيل رجب، لماذا يتغيّر المناضلون، إن كانت السلطة لا تتغيّر؟

اليوم التالي (خاص): كيف يتحوّل من حملوا صوت الناس إلى هامشٍ صامت؟ لم تكن حكاية نبيل رجب مجرد سيرة رجلٍ اصطدم بالسلطة، بل كانت، في لحظةٍ ما، صورة مكثّفة لجيلٍ كامل آمن بأن الإصلاح ممكن، وأن الصوت، مهما ارتفع أو خفت، يمكن أن يجد طريقه إلى التغيير. 

نبيل رجب هو واحد من أشهر الحقوقيين العرب ومن أكثرهم شجاعة، منذ 2011 وقف في الصفوف الأولى، يدفع كلفة الكلمة في بلاده من حريته وجسده وسمعته، كما فعل كثيرون ممن حملوا، في تلك السنوات، مطلب الإصلاح وعبء الدفاع عنه.

ثم جاء التحول بعد خروجه الأخير من السجن في 2020. ليس تحولًا في المبدأ، بل في الوسيلة. اختار الرجل طريقًا أقل صخبًا، أقرب إلى التهدئة، إلى مخاطبة الدولة من داخلها، لا من خارجها. كان الرهان واضحًا، أن تخف حدّة المواجهة، فتفتح نافذة ، وأن يهدأ الصوت، فيُسمع وأن تكون هناك استجابة. وهو رهانٌ لم يكن خاصًا به وحده، بل شاركه فيه كثيرون ممن أنهكتهم المواجهة المباشرة، وأرهقتهم سنوات السجن والخسارة والعزلة.

لكن التجربة اليوم، كما يرويها رجب في مقالة عبر حساباته بمنصات التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد حادثة استشهاد السيد محمد الموسوي، وبعد انطلاق حفلة استهداف جديدة للمعارضين والطائفة الشيعية في البحرين، تكشف عن مفارقة قاسية جدا.

يقول نبيل: لكن ما حدث مؤخراً مع اندلاع الحرب شكّل صدمة عميقة لي ولغيري ممن تبنوا النهج ذاته… وكان تسليم جثة الشاب محمد الموسوي بعد فترة وجيزة من اعتقاله، وعليها آثار تعذيب مروعة، صادماً، لا لبشاعة الواقعة فحسب، بل لما أثاره من مؤشرات خطيرة على عودة انتهاكات يُفترض أنها مُجرَّمة قانونًا”

قصة نبيل رجب، بهذا المعنى، ليست استثناء. هي واحدة من سلسلة طويلة لرجالٍ ونساءٍ بدأوا الطريق في العلن، ثم انتهوا إلى الهامش. بعضهم صمت، لا لأن الفكرة خبت، بل لأن الكلفة فاقت القدرة. بعضهم انسحب، لا لأن الطريق أخطأ، بل لأن الطريق طال. ومع مرور الوقت، نشأ جيل جديد لا يعرف أسماءً كانت، يومًا، عنوانًا للنضال وصوتًا للناس، لأن التعب لا يترك أثرًا في الذاكرة العامة، بقدر ما يتركه في أصحاب التجربة أنفسهم.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر، الإصلاح، الذي ظن أصحابه أنه مسار تراكمي، يتحول في ظل هذا النوع من السُلطات إلى دورةٍ مغلقة، يبدأ فيها كل جيل من النقطة ذاتها، بينما تُراكم السلطة خبرتها في البقاء لا في التغيير. إما أن يتبدل المناضل، فيُحتوى، أو يتنازل أو يتعب فيُدفع إلى الظل. أو يظل كما هو، فيسجن، أو يموت.

وفي كل الحالات يتساءل المتابع والمراقب، كم مرة يمكن أن يُطلب من الذين بدأوا الطريق أن يعيدوا تعريف دورهم، قبل أن يُسأل من يملكون القرار.. متى يتغيرون؟