تغییر اندازه فونت
16

افتتاحية صحيفة “اليوم التالي”: عذابات الأجداد…

اليوم التالي (خاص): في أنشودةٍ تستقر في الذاكرة، يردد الشيخ حسين الأكرف: “يا بلادي يا عذابات الجدود”. لكن السؤال الذي يطرق باب “اليوم التالي” ليس عاطفيًا بقدر ما هو سياسي وتاريخي: من هم هؤلاء الجدود؟ وما معنى عذاباتهم في لحظة يُعاد فيها تشكيل الداخل الخليجي والبحرين كنموذج من جديد؟

نحن لا نستحضر الماضي هنا كحنين، بل كمرآة. ففي كل لحظة توتر إقليمي، يعود الداخل ليسأل نفسه: من أسّس هذا المكان؟ وعلى أي فكرة قام؟

لنبدأ من طبقةٍ واحدة فقط من هؤلاء الجدود. ليسوا شعراء ولا مؤرخين، بل كتّاب عرائض. رجالٌ ونساء خطّوا بدمائهم ما عُرف لاحقًا بـ عرائض العشرينيات. لم تكن تلك الأوراق مجرد شكاوى، بل مشروعًا مبكرًا لإعادة تعريف الدولة: دولة يحكمها قانون، لا شيخ قبيلة. مؤسسات، لا مزاج. عدالة، لا فداوية. في تلك العرائض، وُضعت اللبنات الأولى لما سيُعرف لاحقًا بالمحاكم المدنية، وقوانين العقوبات، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمجتمع. كان ذلك، في جوهره، انتقالًا من “حكم الأشخاص” إلى “فكرة الدولة”.

لكن هذا الانتقال لم يكن نظريًا. كان ثمنه الدم. ففي عام 1923، قُدّم الشيخ الجليل عبدالله العرب شهيدًا، لا لأنه حمل سلاحًا، بل لأنه حمل فكرة: أن مطالب الناس لا يجب أن تتوقف. وأن العريضة، بوصفها صوتًا جماعيًا، يمكن أن تكون أخطر من الرصاصة.

ومع ذلك، لم يُكافأ هؤلاء الجدود بالاعتراف. وُصفوا بالخيانة. قيل إنهم أصدقاء للبريطاني، وإنهم خرجوا على الحاكم. كانت تلك هي اللغة الجاهزة لكل محاولة إصلاح: تخوين المطالبين، لا مناقشة مطالبهم. في الليل، كانوا يحرسون قراهم. وفي النهار، يجمعون التواقيع. كانوا يعيشون في واقع وصفوه بأنفسهم: “نهب الأموال، قتل الرجال، ذهاب الناموس، والتشريد عن الأوطان”. لم تكن تلك عبارة بلاغية، بل توصيفًا لحياةٍ أرادوا الخروج منها نحو أفقٍ آخر: أفق الدولة الحديثة.

ومن هذا الجهد التراكمي، وُلد حدث مفصلي: مجلس العزل 1923. ذلك المجلس الذي أجبر الراعي البريطاني على إعادة ترتيب السلطة، فعُزل الحاكم الإقطاعي عيسى بن علي آل خليفة، وتسلّم الحكم ابنه حمد بن عيسى آل خليفة. لم يكن العزل مجرد تغيير في الأسماء، بل لحظة إعلان أن الحكم ليس حقًا مطلقًا، وأن المجتمع يمكن أن يفرض شروطه. في خطاب العزل، قيل بوضوح: **“مجرد وجودكم في الحياة لا يعني أنه من حقكم العيش على حساب المجتمع”. هنا، يتكثف معنى “عذابات الجدود”. ليست معاناة فردية، بل صراعًا على تعريف البلد نفسه.

من تلك العذابات، خرجت مؤسسات نعرفها اليوم كأمرٍ بديهي: البلدية، الجنسية، القضاء، المحاكم، الطابو، والدوائر الحديثة. لكنها لم تكن بديهية في زمنها. كانت نتيجة صراع طويل بين فكرتين: فكرة الوطن بوصفه ملكًا مشتركًا، وفكرة الحكم بوصفه امتيازًا عائليًا.

لماذا نستعيد هذه القصة اليوم؟ لأن “اليوم التالي” ليس فقط ما يأتي بعد الحرب في الخارج، بل ما يبدأ في الداخل. وحين تعيد الحروب تشكيل الإقليم، تعود المجتمعات لتسأل: ما الذي نريده من دولتنا؟ وأي نموذج نريد أن نعيش فيه؟

عذابات الجدود ليست ذكرى. إنها معيار. معيار يُقاس به كل حديث عن الوطنية، وكل خطاب عن الاستقرار، وكل دعوة إلى الإصلاح. فالوطنية التي صاغها أولئك لم تكن صمتًا، بل مشاركة. لم تكن خوفًا، بل مطالبة. لم تكن ولاءً مجردًا، بل سعيًا لبناء دولة تحمي الناس من الفوضى… ومن السلطة حين تنفلت.
في مشروع “اليوم التالي”، لا نكتب عن الحرب فقط، بل عن آثارها في الداخل. وعن الأسئلة التي تعود لتُطرح كل مرة: من نحن؟ كيف تأسسنا؟ وما الذي يجب أن يستمر… وما الذي يجب أن يتغير؟ لذلك، حين نقول: “يا بلادي يا عذابات الجدود”، فنحن لا نرثيهم. نحن نفتح دفاترهم، ونقرأ فيها… كيف يبدأ اليوم التالي؟