المقال من مدونة عالم الاجتماع الدكتور عبدالهادي خلف
اليوم التالي: قبل أكثر من نصف قرن طرح البيان الانتخابي لكتلة الشعب تصورنا للسياسة الخارجية التي تتمثل المصالح العليا للأمة العربية وتقيم علاقات الأخوّة والجوار مع جاراتنا دول الخليج العربي وعلى مبدأ عدم التدخل في شئونها الداخلية وألا تصبح البحرين منطقة نفوذ لأية جهة كانت. ولهذه جاء نص البند الأول في الجزء المتعلق بالسياسة الخارجية كالأتي:
يجب أن تنبع السياسة الخارجية أساساً من مصلحة البلاد العليا والتي تحتم الأخذ بسياسة عدم الانحياز وذلك بعدم الإرتباط بالأحلاف العسكرية وإنهاء وجود القواعد العسكرية القائمة وعدم إعطاء أي نوع من التسهيلات لأية جهة كانت
شكلت هذه النقطة مادة لنقاشات حامية داخل المجلس الوطني وخاصة أن الأخبا رالمنشورة في وسائل الإعلام الخارجية أوضحت أن حكومة البحرين كانت على وشك تجديد اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية تمنحها حق إستئجار جزء من ميناء الجفير والمنطقة المحيطة به براً وبحراً.
ممثلو الحكومة في البرلمان، وخاصة وزير الخارجية آنذك، استخدموا أقصى ما يستطيعون من بلاغة للتقليل من أهمية موضوع الاتفاقية. فما هي، حسبما قالوا، إلا عقد إيجار لبناء مكتب للتسهيلات البحرية. بل لم يتحرج وزير الخارجية من التلميح بأن من يعارضون الإتفاقية هم “وكلاء” يخدمون مصالح خارجية.
حاول نواب كتلة الشعب في إطار جلسات المجلس الوطني توضيح الأخطار السياسية والأمنية التي ستسببها القاعدة الأمريكية في البحرين. فلقد كان ممكنا عندما كانت البحرين تحت الهيمنة البريطانية أن يكون لبريطانيا قاعدة ومرتكزات عسكرية تشن منا هجماتها عل أشقائنا في عدن وسلطنات الجنوب العربي وبعد ذلك في ظفار. أما وقد استقلت البحرين وصارت كياناً معترفاً به دولياً فلقد كان من واجب السلطة ألا تسمح بإستغلال أراضيها للعدوان على الأشقاء والجيران، حتى لا نكون مجرد أدوات في الجريمة، وكي لا نتعرض لردود فعل إنتقامية من الطرف أو الأطراف المتضررة
فشلت محاولات أعضاء كتلة الشعب وقتها فلقد إعتبرت الحكومة أن إتفاقية القاعدة أمراً سيادياً يعود للحاكم وحده وليس، كما يجب أن يكون، أمراً سيادياً يتخذه المجلس الوطني أو يوافق عليه. أما الكتلتان الأخريتيان في المجلس الوطني فإحداها َ لم ترَ في الموضوع ما يستوجب إغضاب الحكومة في وقتٍ كانت تلك الكتلة فيه تري أن لديها ما هو أهم من ذلك بكثير بما في ذلك الفصل بين الجنسيْن ومنع الاحتفال بعيد أول مايو. أما الكتلة الثانية فرأى أغلبها أن إتفاقية القاعدة ستجلب خيرا عميمأ عبر النهوض بسوق العقارات وانتعاش قطاع الخدمات وما إلى ذلك
وهكذا تمكنت الحكومة من المضي في قرارها. وصار ما صار. وعرف الناس فيما بعد أن ما زعمت السلطة في 1973-1974 أنه مجرد “مكتب تسهيلات” أصبح قاعدةً أمريكية كاملة الأوصاف يتمركز فيها أكثر من ثمانية آلاف عنصر عسكري أمريكي علاوة على أنها مقر قيادة الإسطول الأميركي الخامس وقيادة السينتكوم ناهيكم عن مهمات استخبارية و لوجيستيكية أخرى
تحدثنا، وقتها، كثيراً في المجلس الوطني وخارجه عن عواقب إتفاقية القاعدة العسكرية الأمريكية في البحرين ولم تخلُ بيانات القوى السياسية الوطنية من التذكير بتلك العواقب وخاصة في بلد صغير وضعيف مثل بلادنا. لا تكمن تلك العواقب فقط فيما تشكله من انتهاك للسيادة الوطنية لبلدٍ صغير وحديث الإستقلال، بل وأيضاً فيما يستتبعها من تقليص لحق البحرين في اتخاذ قراراها المستقل في سياساتها الداخلية والخارجية وحقها في اختيار في من تصاحب ومن تعادي إنطلاقا من مصلحتها الوطنية
القاعدة أرضٌ أمريكية في البحرين
رغم ما يشاهده الناس وما لايشاهدونه من مظاهر توسع القاعدة الأمريكية ولكنه معروف لدى المهتمين من خلال ما تنشره الدوريات المختصة. إلا أن عموم الناس في البحرين لا يعرفون حتى الآن وبعد أكثر من خمسين سنة من توقيعها ماهي بنود الاتفاقية التي بموجبها تستخدم الولايات المتحدة الأميركية قاعدة الجفير البحرية و قاعدة الشيخ عيسى الجوية علاوة على مياه البحرين الإقليمية.
لقد انقضى أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاقية “التسهيلات”. ومازالت بنودها سرية في البحرين. إلا إنه لا يمكن إستبعاد أن تكون على نمط الإمتيازات التي تضمنتها اتفاقيات معلنة عقدتها الولايات المتحدة الأمريكية مع دول أخرى. ومن هذه الإمتيازات إعتبار منطقة القاعدة حَرَماً أمريكياً لا تسري فيه قوانين البلد المضيف بل يحق لأمريكا أن تفعل ضمن محيطه ما تشاء دون أن تحتاج إلى إبلاغ سلطات الدولة المضيفة
توسعت تلك الامتيازات، كما اتضح من سلسلة حوادث خلال نصف القرن الماضي، إلى إعطاء الحصانة من القوانين المحلية لكل عنصر من العناصر التابعة للقوات المسلحة الأميركية. ولقد شهدت البحرين حوادث كثيرة كان أبطالها من عناصر القاعدة الأمريكية إلا أن شرطة البحرين لا حول لها ولا قوة أمام “الحليف الإستراتيجي” فلم تستطع أن تفعل شيئاً سوى مناشدة الشرطة العسكرية الأمريكية المجيء لاستلام رفاقهم. لا فرق هنا بين مخالفة مرورية أو عراكٍ في ملهى ليلي أو حركات غوغائية في الشوارع أو قتل عاملة مقهى بعد إغتصابها، أو إطلاق الرصاص على مواطن يعمل حارساً في فندق ولا حتى حين أدى تبادل إطلاق رصاص داخل القاعدة الأمريكية نفسها إلى وفاة مجندتيْن وإصابة آخرين. فليس للأجهزة البحرينية من أمن وشرطة ونيابة وقضاء أية سلطة على أيٍ من الرجال و النساء الذين ينتمون بشكل من الأشكال للقوات العسكرية الأميركية. وهي “حصانة تشمل العسكريين والمدنيين العاملين في خدمة الدولة الأميركية”
البحرين: تابعٌ لديه أموال كثيرة
لقد كبّلت السلطة في البحرين نفسها وكبّلت البحرين بسلسلة من القيود تحت راية التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الولايات المتحدة لا ترى الأمور كما تراها السلطة في البحرين. فهذه بالنسبة للإدارة الأمريكية ليست أكثر من تابع “لديه أموال كثيرة” كما قال ترامب لحاكم البحرين وقبله سمع ولي عهده الكلام نفسه دون أن يكلف أيٌ منهما إعلام ترامب أنهما حقاً من كبار الأثرياء أما بلادهما، البحرين، فليست غنية فالديون المتراكمة عليها حتى نهاية العام الماضي بلغت خمسين مليار دولار
لم يقم ترامب وهو يستعد للحرب بتجهيز أيٍ من دول الخليج العربي التي “تستضيف قواعد أمريكية” التي يفاخر حكامها بأنهم حلفاء استراتيجيون للدولة العظمى بغطاء يحميها من ردود فعل إيران التي أعلنت مراراً عن نواياها. ومعلومٌ أن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية قد تصيب وقد تخطئ في الوصول إلى أهدافها وفي الحاليْن قد تصيب شظاياها المدنيين من مواطنين ومقيمين. بالمقابل أرسل ترامب، قبل إعلان الحرب، مدمرتين حربيتيْن (بيركلي و روزڤيلت) وسفن حربية رديفة م إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط لتوفير المزيد من الدعم لإسرائيل ولحمايتها من الردود الإيرانية. كما قامت الولايات المتحدة ت بتحديث القبة الحديدية التي وفرتها لها سابقاّ.
كغيري أخشى على البحرين وأهلها كافة من تطورات الحرب الدائرة وأتوجس كغيري ممن يعيشون في الخارج، طوعاً أو غصباً، وأسأل في كل يوم عن أحوال هذا الصديق أو تلك القريبة. ولكنني لا أستبشر خيراً حين أطالع البيانات الرسمية التي تنشرها وكالة أنباء البحرين وقيادة قوة دفاع البحرين التي تصف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات بأنه اعتداء عل السيادة الوطنية وليس تبادل نيران بين طرفيْن سمحت السلطات في البحرين لأحدهما بإستخدام أرضنا وبحرنا لشن حرب لإسقاط النظام في البلد الآخر
وكغيري من المواطنين أتوجس مما ستؤدي إليه تلك البيانات والتصريحات الحماسية التي تطلقها السلطات في البحرين عبر قنواتها عن “أنها تحتفظ بحقها الكامل في الرد واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية أمنها الوطني وصون سيادتها، وذلك بالتنسيق مع حلفائها وشركائها”. هل تعني هذه التصريحات والبيانات شيئا؟ هل ستدخل البحرين الحرب بجانب إسرائيل والولايات المتحدة؟ أم هي كلمات لا معنى لها؟ وفي آخر الأمر هل يحق للسلطة في البحرين الحديث عن السيادة والأمن الوطنييْن وهي التي استبدلت بعد أقل من سنتين من الإستقلال الهيمنة الإستعمارية البريطانية بالهيمنة الإمبريالية الأمريكية.
عبدالهادي خلف
2/3/2026