تغییر اندازه فونت
16

الحربُ «الإبستينيَّة»: «حينما تحوَّل الخليجيُّون من أمة الإسلام إلى أمة إبستين»

اليوم التالي (خاص): أصبح العالم اليوم على موعدٍ مع أعظم حربٍ في التاريخ الحديث، وربّما حربٌ لم تشهد البشرية مثلها إلا في كوابيس كتاب السيناريو الهوليوودي ومدمني المخدرات. إنّها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أو كما أحب أن أسميها بكل تهكمٍ «الحرب الإبستينية المقدسة».

نعم هو ذلك الملياردير اليهودي المتهم بجرائمه البشعة بحق القاصرات، الذي مات في زنزانته في ظروفٍ غامضةٍ وهو تحت الحراسة المشددة، وقد أضحى اليوم المحرك الأساسي لصراع جيوسياسي يُهدد المنطقة بأسرها، وكأنَّ الرجل لم يمت حقًا، أو ترك إرثًا أعظم من أي ثروة، إرثٌ سياسيٌ يُستخدم كفوطةِ ضغطٍ رطبةٍ على رئيس أمريكي يائس، يحاول تغيير القنوات التي تبث الفضائح. واعجباه بِتْنَا نعيش في زمن أصبح فيه «جيفري إبستين» أكثر تأثيرًا من ألف قنبلة نووية.

الرئيس الأمريكي «ترامب» المسكين المتورط يخوض هذه الحرب ليس دفاعً عن ديمقراطيةٍ أو حرية أو حتى نفط، بل لأنه تورَّط حتى أذنيه في ما يمكن تسميته فخَّ «الديانة الإبستينية» الجديدة. فهو بين فكّي كماشة حديدية: إما أن يخوض حربًا لا يريدها ويرسل أبناء أمريكا ليموتوا في كهوف إيران، أو تُنشر الأوراق التي تجعله بطلًا لموسم جديد من مسلسل «جُزر إبستين الخاصة»، وبما أن سمعة الرئيس أهم من دماء الملايين فقد اختار أحد الخيارات الصَّعبة وهو الحرب. 

أما الأشقاء في الخليج العربي فحدِّث ولا حرج ولا كلام، هؤلاء الذين تتفطَّرُ قلوبهم حبًا للمسجد الأقصى في خُطب الجمعة، ويبكون على القدس في مواقع التواصل الاجتماعيّ، نراهم اليوم في طابورٍ طويلٍ ومنظَّمٍ مع إسرائيل وأمريكا، يحملون رايات جديدة لم نرها من قبل، مكتوب عليها بحروف من ظلامٍ دامس: «لا إله إلا إبستين، وترامب رسول العار».

لقد اصطفوا مع من يذبح أطفال «غزة وميناب ولبنان» على مأدبة إفطارٍ رمضانيةٍ، مع من يدمر المستشفيات ويحول المدارس إلى ركام، لمجرد سبب واحد بائس: أنَّ فلسطين إخوانيّة وإيران شيعيّة. طائفية بحتة يا سادة وليس لها أي علاقة بالنفط أو الأمن أو حتى بالفضائح الإبستينية. 

والأغرب من ذلك أنهم نسوا تمامًا أن بطلهم الجديد «جيفري إبستين»، كان يهوديًا صهيونيًا متطرفًا، وشبكته الإجرامية كانت تضم أكبر رجال المال والأعمال ورؤساء الدول من كل الديانات، لكنهم أسلموا وجوههم حرفيًا لعبادة الفضائح السرية والأجندات الصهيونية.

الشعوب الخليجية المسكينة والمُخدَّرة التي يفترض أن تنظر إلى الهالة الكبرى لهذه الحرب العبثية، بدت بوضوحٍ وكأنها فقدت بوصلة الإسلام والإنسانية معًا. فهم يُهللون للقصف الذي يستهدف المدنيين الأبرياء، وكأنَّهم يُهللون لهدفٍ في دوري أبطال أوروبا. لقد أصبحوا يعتنقون «الإبستينية» بحماسٍ لم يعتنقوا به الإسلام قط، وتخلَّوا عن أربعة عشر قرنٍ من نورِ الوحي، وعن كل القيم الإنسانية التي ناضلت من أجل كرامة الطفل قبل البالغ.

في مشهدٍ تراجيديٍّ ساخرٍ تجد الشعوب الخليجية تنقسم فيما بينها على مائدة واحدة: نصفهم يشرب القهوة مع السفير الإسرائيلي في «دبي»، والنصف الآخر يصفق للمجازر في «غزة» طالما أن الضحية إيرانية وهذا هو قمة الإبداع الطائفي، وهكذا تُصبح مُسلمًا «إبستينيًّا» خالصًا مُخلِصًا لربوبيّة جهاز الموساد الاسرائيليّ. 

مبارك لهم دينهم الجديد؛ دين «الإبستينية» القائمِ على قاعدة ذهبية واحدة لا تتغير: «من كانت فضائحه أكبر وأكثر نفوذًا، فهو أحقُّ بالنصرة». في القدس وإيران وغزة ولبنان واليمن والعراق وحتَّى في واشنطن، أثبت الجميع أنَّ الشيطان أحيانًا يكون أكثر صدقًا من بعض المسلمين الجدد الذين باعوا دينهم بفضيحة «إبستين». اللهمَّ إنا نشهد أنَّهم لم يعودوا على ديننا، بل على دين الجزيرة التي لا يُباع فيها السلاح والأجساد فقط، بل تُباع فيها أيضًا كل المبادئ.