اليوم التالي (خاص): في دبي، حيث تُتقن الإمارات تحويل السياسة إلى عرضٍ بصري، والإعلام إلى منصة علاقات عامة، جاء ملتقى “مؤثري الخليج” بوصفه أحدث تجليات صناعة الخطاب الرسمي بواجهة رقمية لامعة. العنوان هذه المرة لم يكن الأمن، ولا الاقتصاد، ولا حتى التنمية، بل كلمة أكثر فخامة ورواجًا: “السردية”.
فجأة، أصبح عشرات المؤثرين، والمذيعين، وصناع المحتوى، جنودًا في “حرب إعلامية” ضد ما سُمّي بـ”السردية الإيرانية المغلوطة”، وفق توصيفات إعلامية رافقت الحدث. ووفق الخطاب الرسمي، فإن المنطقة تواجه “تنافسًا عالميًا للسيطرة على الرواية وتشكيل الرأي العام”، ما يحتّم بناء “سردية خليجية قوية وموحدة”.
لكن خلف هذه اللغة الضخمة، يبرز سؤال بسيط: متى تحوّلت السردية إلى مشروع تعبئة سياسية يُدار عبر المؤثرين؟
في النسخة الإماراتية، تبدو “السردية” أشبه بإكسسوار سياسي فاخر، تُستخدم كما تُستخدم تقنيات الإضاءة في المؤتمرات الكبرى: لإضفاء عمقٍ مصطنع على خطاب علاقات عامة. فبدل أن تكون السردية مساحة نقد، وتاريخ، وتعدد، تحوّلت إلى منتج استراتيجي جاهز، هدفه توحيد الرسائل، وتلميع الصورة، وتوجيه الرأي العام ضمن مسار محسوب.
المفارقة الساخرة أن كلمة “السردية”، التي خرجت من فضاءات الدراسات الثقافية والنقدية لفهم السلطة والهوية، أصبحت اليوم على ألسنة مؤثرين يتحدثون عنها كما لو كانت حملة تسويقية أو وسمًا موسميًا. كل شيء صار يحتاج سردية: الحرب، الوطنية، السياحة، وحتى المؤتمرات نفسها.
وفي هذا الإطار، يبدو ملتقى “مؤثري الخليج” أقل شأناً كمبادرة فكرية، وأكثر قربًا من كونه غرفة عمليات للنفوذ الناعم، حيث يُعاد تشكيل المؤثرين باعتبارهم أدوات في خطاب سياسي موحد، لا رواة مستقلين لتجارب مجتمعاتهم.
وحين يُقال إن الهدف هو “تعزيز السردية الوطنية ومواجهة الإعلام المضاد”، فإن الأمر يتجاوز الإعلام إلى محاولة هندسة الوعي ذاته.
الإمارات، التي بنت نموذجها الإقليمي على إدارة الصورة، توسّع اليوم هذا النموذج نحو احتكار الرواية، عبر تجميع الأصوات الخليجية داخل فضاء منظم بعناية، حيث يُعاد تعريف الوطنية وفق احتياجات المرحلة السياسية.
غير أن السرديات الحقيقية لا تُبنى في الفنادق الفاخرة، ولا عبر التصريحات المنمقة، ولا من خلال صور جماعية لمؤثرين تحت الأضواء. السرديات تنشأ من الناس، من أزماتهم، من اختلافاتهم، ومن قدرتهم على مساءلة السلطة، لا ترديد خطابها.
في النهاية، يبدو أن “مؤثري الخليج” لم يجتمعوا لصناعة سردية بقدر ما اجتمعوا لتسويق نسخة رسمية منها. أما الكلمة نفسها، فقد تعرضت في دبي ربما لأقسى أشكال الاستهلاك: أن تتحول من مفهوم فكري عميق… إلى شعار بروتوكولي فاخر.