تغییر اندازه فونت
16

الكويت وإعادة تعريف المواطنة، من قانون الجنسية إلى هندسة “الأصلي” و”المجنس”

اليوم التالي (خاص): لم يكن الجدل حول الهوية الوطنية في الكويت يومًا مجرد نقاش قانوني، بل ظل مرتبطًا ببنية السلطة وتوزيع النفوذ داخل الدولة. منذ صدور قانون الجنسية في ستينيات القرن الماضي، تشكل المجتمع الكويتي رسميًا ضمن هرمين: “المؤسسون” وفق المادة الأولى، وهم من استقروا في الكويت قبل 1920، و”المتجنسون” الذين مُنحوا الجنسية لاحقًا.

هذا التصنيف لم يبقَ إداريًا فقط، بل تحوّل مع الزمن إلى قاعدة سياسية واجتماعية تحدد فرص المشاركة في الدولة. أبناء المؤسسين احتفظوا بامتيازات رمزية ومؤسساتية، بينما ظل أبناء المتجنسين موضع نقاش دائم حول حدود اندماجهم الكامل في النظام السياسي.

بعد الغزو العراقي للكويت، اتجهت الدولة إلى توسيع مفهوم المواطنة عبر قانون 44 لسنة 1994، الذي منح أبناء المتجنسين حقوقًا أوسع، بما فيها المشاركة السياسية الكاملة وتولي المناصب العليا. بدا ذلك حينها كخطوة نحو دمج وطني أشمل، خاصة بعد تجربة الاحتلال التي فرضت إعادة تقييم لمفهوم الانتماء الوطني.

غير أن هذا المسار بدأ يتعرض لتراجع تدريجي مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية، خصوصًا بعد مسيرات “كرامة وطن”، حيث برزت مخاوف لدى بعض النخب التقليدية من اتساع نفوذ الفئات القبلية والمتجنسين داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.

في هذا السياق، ظهرت تيارات اجتماعية وسياسية رفعت شعار “الحفاظ على الهوية الوطنية”، لتتحول لاحقًا إلى ضغط فعلي على مؤسسات الحكم. ومع وصول الأمير مشعل الأحمد إلى السلطة في ديسمبر 2023، بدا أن الدولة تتجه إلى مراجعة جذرية لمعادلة المواطنة نفسها.

أصبحت الجنسية، بدلًا من كونها رابطة قانونية جامعة، أداة لإعادة فرز السكان وفق تصورات أكثر صرامة حول “الأصالة” و”الاستحقاق”. الخطاب الرسمي بدأ يستخدم تعبيرات ترتبط بحماية المجتمع من “الدخلاء” و”المزورين”، في لغة تعكس انتقالًا من إدارة التنوع إلى مشروع لإعادة رسم التركيبة السياسية والديموغرافية.

ما يحدث اليوم في الكويت يتجاوز مجرد إصلاحات قانونية؛ إنه إعادة هيكلة للعقد الاجتماعي، بحيث تُعاد صياغة من يملك الحق الكامل في الدولة، ومن يُنظر إليه باعتباره مواطنًا أقل رسوخًا في بنيتها التاريخية.

هذه التحولات تضع الكويت أمام سؤال بالغ الحساسية: هل تتجه نحو دولة مواطنة حديثة، أم نحو نظام يعيد إنتاج الامتيازات الوراثية تحت غطاء قانوني جديد؟