تغییر اندازه فونت
16

يحيى الحديد: عن شيعة الخليج أو متى يصير الصحفي سبالا؟ 

اليوم التالي (خاص):سئل مرة الصحافي الشهير المختص بشؤون الشرق الأوسط خصوصا فلسطين ولبنان، روبرت فيسك Robert Fisk: متى يصير الصحفي سبالا؟ 

فقال:حين يظن أن الشجاعة تكمن في استفزاز الضحايا لا في “مراقبة مراكز النفوذ والقوة”. 

دعيني أبدأ معك من تجربة القرود، كما تفضلتِ بالاستشهاد بها في مقالتك «شيعة الخليج.. الصمت الذي أسيء فهمه»، فأنتِ تفسرين صمتنا نحن الشيعة في الخليج بقصة تجربة القرود والموز في الستينيات، صمتنا عن نقد مرجعياتنا الدينية والتبرؤ من إيران، والاصطفاف مع الدولة وجيوشها على السوشيال ميديا.

يفضل الصحافي (السبال) أن يركب الموجة التي تحفظ له مصالحه الخاصة وتجنبه دفع الثمن، ثمن “مراقبة مراكز النفوذ والقوة” ونقدها وفضحها وكشف استبدادها، يفضل هذا الصحفي استفزاز الضحايا الذين لا نفوذ لهم ولا قوة، ويعتبر ذلك شجاعة منه. يستفزهم ويقول لهم إنكم تحرمون نفسكم من أكل الموز، انظروا فأنا آكل الموز والرز ولا أحد يؤذيني.

 في الأيام الأخيرة صار الموز وحدة القياس السياسية في الإعلام الخليجي؛ جمهوريات موز، شعوب موز، وحتى صمت الشيعة صار يُفسَّر بتجارب القرود والموز. لا أعرف ما الذي فعله الموز تحديدًا بالإعلاميين الشجعان، لكنه يبدو أنه تحوّل إلى الفاكهة الرسمية للمزايدات السياسية في السوق الخليجي، يكفي أن تلوّح بقردٍ وسلّمٍ وحبّة موز حتى تحصل على تصفيق جمهور كامل يبحث عن أي سردية جاهزة لتفسير الشيعة وإعادة تعبئتهم داخل خانة الاتهام القديمة.

في مقالكِ «شيعة الخليج.. الصمت الذي أسيء فهمه»، استعرتِ تجربة القرود الشهيرة: قرد يصعد إلى الموز، فيُرشّ الباقون بالماء البارد، ثم تبدأ القرود نفسها بمنع أي قرد جديد من الصعود، حتى بعد اختفاء الماء البارد. استعارة جذابة بلا شك، خصوصًا للإعلام التلفزيوني الذي يحب القصص السريعة التي تختصر المجتمعات في قفص حيوانات وتجربة سلوكية.

لكن المشكلة أن هذه القصة نفسها، التي يجري تداولها في كتب التنمية البشرية ومقاطع اليوتيوب، ليست حقيقة علمية مستقرة أصلًا، بل حكاية مشكوك في أصلها بهذه الصيغة الدرامية المتداولة. أي أن المقال مؤسس على استعارة مهتزّة، ثم بنى عليها تفسيرًا كاملًا لوعي جماعة بشرية تمتد من البحرين إلى الكويت والعراق والسعودية.

لكن لنتجاوز القردة قليلًا، ولنصعد نحن إلى السلّم الذي تجنبته مقالتكِ: التاريخ.

حين كررتِ العبارة الشهيرة: «لم تصبح إيران مركزًا للتشيع إلا مع الدولة الصفوية في القرن السادس عشر»، بدا المشهد وكأنه إعادة حرفية لتجربة القرود نفسها. جملة تتكرر جماعيًا في الإعلام الخليجي دون أن يسأل أحد: هل هي دقيقة فعلًا؟ أم أنها مجرد “ماء بارد” فكري يخشى الجميع مخالفته؟

قم، يا أيها (السبلان)، لم تستيقظ شيعية فجأة مع الصفويين.قم كانت مركزًا شيعيًا قبل الصفويين بقرون طويلة، قبل أن تولد الدولة الصفوية أصلًا. يكفي أن نقرأ ياقوت الحموي في «معجم البلدان» لنعرف أن المدينة كانت معروفة بتشيعها قبل ذلك بقرون، ياقوت كتب كتابه قبل مجيء الصفويين بثلاثة قرون على الأقل وقال: «وأهلها [قم] كلهم شيعة إمامية».

ويكفي ما تنقله المدونات الشيعية المبكرة عن الإمام الصادق من وصف قم بأنها «قم حرم آل محمد، وهي كوفتهم الصغيرة ومأوى شيعتهم» وما ورد أنها «عش آل محمد». أي أننا أمام تاريخ ديني واجتماعي ممتد، لا أمام مصنع صفوي افتُتح في القرن السادس عشر كما يحب بعض السبلان (القرود كما في قصتك) الجدد أن يشرحوا التاريخ على شاشات التلفزيون.

المشكلة ليست أنكِ انتقدتِ إيران، فهذا حقك الطبيعي، ولا أن تسألي عن علاقة شيعة الخليج بالمركزية الإيرانية، فهذا سؤال مطروح منذ عقود. المشكلة أنكِ استخدمتِ اللغة نفسها التي يجري بها تسطيح التاريخ وتحويل جماعات كاملة إلى كائنات تتحرك بالخوف الغريزي لا بالوعي والتجربة والمصالح والذاكرة.

لقد جاء شيعة علي بن أبي طالب من الأشعريين اليمانيين العرب الأقحاح في القرن الأول، وأسسوا قم واستقبلوا فيها حفيدة رسول الله السيدة المعصومة، قبل أن يأتي الصفويون في القرن العاشر. انزلي من شجرة السبلان والقردة يا لميس، واقرئي أرض التاريخ كي لا ترددي جمل التزييف نفسها.

شيعة الخليج ليسوا قرود مختبر، كما أنهم ليسوا جنودًا آليين في جيش إيراني. هم جماعات تشكلت عبر تاريخ طويل من التهميش والصراع والبحث عن الحماية والاعتراف. وفي لحظات كثيرة من تاريخ الخليج، لم يكن أمامهم سوى النجف أو قم أو المنابر الدينية العابرة للحدود كي يحافظوا على سرديتهم ووجودهم الاجتماعي.

لكن الإعلام الخليجي الجديد لا يحب التاريخ المعقد.

إنه يحب الموز.يحب قصة قصيرة فيها قردة وسلّم وماء بارد، لأن هذا النوع من الحكايات يسمح بتحويل ملايين البشر إلى استعارة سهلة التداول، تصلح لفقرة تلفزيونية أو مقالة سريعة أو موجة تصفيق على منصة رقمية.

وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت تجربة القرود رائجة جدًا بين بعض الإعلاميين؛ لأنها تمنحهم شعورًا بالتفوق المعرفي السريع، بينما هم في الحقيقة يكررون العبارات نفسها التي يرددها الجميع، دون أن ينتبهوا أنهم يؤدون، بحماسة كاملة، دور القرود ذاتها.