تغییر اندازه فونت
16

الماء أعمق من حاملات الطائرات

اليوم التالي (خاص): بعد انتخابه مجددا، دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كما يدخل فاتحٌ إلى مدينةٍ مبهورة بالقوة ولَمَعانِ السلاح. وَعَدَ بإعادة تشكيل العالم، عبر تجارةٌ دوليّة جديدة تُعاد كتابتها بفرض رسوم الجمارك وبالعقوبات، ودولٌ تُخضعها القوة الخشنة، وأسواقٌ تُدار بكلمات من حاكم واشنطن كما لو أنّ التاريخ قد عاد إلى لحظة الإمبراطوريات الكبرى.
في الخليج، آمن أغلب حكّام الممالك بالمشروع. رأت فيه عواصم النفط “الإله السياسي” القادر على سحق الخصوم دفعة واحدة، وتأبيد الحماية، وإعادة هندسة المنطقة وفق ميزان جديد.

ثم جاءت الحرب على إيران.

في بدايتها، بدا المشهد مخادعًا. آلة أمريكية هائلة، وإسناد إسرائيلي مفتوح، وخليجٌ يعتقد أنّ المعركة ستنتهي خلال أيام بإسقاط طهران أو إخضاعها. غير أنّ الزمن، ذلك الخصم الذي لا تهزمه الدعاية، بدأ يكشف شيئًا آخر، هنا ظهر الفارق بين دولةٍ عميقة الجذور، وأخرى تعيش داخل وهم الحماية. 

القواعد الأمريكية التي قُدمت لسنوات باعتبارها مظلة أمان، تحولت إلى أهداف مشتعلة. مضيق هزمز وبحر العرب وباب المندب لم يعودوا ممرًا مضمونًا للأساطيل، والخليج الذي بُنيت ثروته على وهم الاستقرار، وجد نفسه واقفًا فوق فوهة النفط والغاز معًا.
إيران، الدولة التي أُريد لها أن تُكسر، قاتلت بعقل أمة تعرف أن الحروب الطويلة تُحسم بالإرادة، لا بالعناوين الأولى في نشرات الأخبار.

هنا ظهر الفارق العميق بين الدول الطارئة والدول الراسخة. إيران، بتاريخها وثقلها البشري والجغرافي، تعرف أن النهاية ستقود إلى تسوية ما، لأن العالم لا يستطيع شطب أمة بهذا الحجم.

أما الخليج، فقد اكتشف متأخرًا أن التحالف مع القوة العظمى لا يعني النجاة دائمًا. فالحليف الأمريكي، حين يخوض معاركه الكبرى، يجرّ حلفاءه إلى قلب الحريق، ثم يتركهم يواجهون ارتداداته وحدهم.

لقد أثبت الزمن مرةً أخرى أن أمريكا ليست إلهًا، وأن القوة، مهما بدت مطلقة، تبقى محدودة أمام الجغرافيا والتاريخ وإرادة الشعوب.

وفي بحر العرب تحديدًا، بدأت الإمبراطورية تكتشف أن الماء أعمق من حاملات الطائرات.