تغییر اندازه فونت
16

افتتاحية صحيفة اليوم التالي: نحن البحرين لا آل خليفة

اليوم التالي (خاص):نحن جماعة، وتاريخ الجماعات أطول من تاريخ العوائل. أطول في العمر، وفي الذاكرة، وفي الأرض، وفي الامتداد. الجماعات تُبنى عبر القرون من تعب الناس وخوفهم وأحلامهم ومقابرهم ولهجاتهم وصلواتهم، أمّا العائلات الحاكمة، حين تعجز عن الاندماج في المجتمع، فإنها تبقى معلّقة فوقه مهما طال بقاؤها. ولهذا ظلّت مشكلة آل خليفة، منذ 1783، أنهم حكموا البحرين دون أن يصيروا جزءًا من أديمها الحقيقي، تعاملوا مع الأرض كغنيمة، لا كوطن، ومع الناس كرعايا، لا كشركاء في المصير.

في العشرينيات، حين قرّر البحارنة أن يرفعوا أصواتهم ضد الظلم، لم يخرجوا بالسلاح ولا بالمؤامرات، بل بالعرائض. كتبوا شكاواهم بأسمائهم الصريحة، وكشفوا ما كانت تعيشه البلاد من فساد وجباية واضطهاد وفوضى في الحكم. كانت تلك لحظة تاريخية نادرة، وقف فيها المجتمع البحريني ليقول إنّ الحاكم ليس فوق المساءلة، وإنّ البلاد ليست ملكًا خاصًا لعائلة.

يومها، لم تواجه السلطة مطالب الناس بالإصلاح، بل أرسلت جماعاتها والفداوية لترهيبهم. جرى تخويف الموقّعين على العرائض، والضغط على الوجهاء، ومحاولة كسر إرادة المجتمع بالقوة والاستعراض والترهيب. كانت السلطة تخاف من فكرة واحدة فقط: أن يتحوّل المجتمع إلى جماعة واعية بحقوقها، تعرف أنّ بقاء الحاكم ليس قدرًا أبديًا.

لكن البحارنة أصرّوا وثبتوا، واستمرّوا في الضغط حتى انتهى الأمر بعزل الشيخ عيسى بن علي سنة 1923، في واحدة من أكثر اللحظات إحراجًا في تاريخ آل خليفة السياسي. لم يكن العزل حادثة عابرة، ولا مؤامرة خارجية كما تحاول الرواية الرسمية تصويره اليوم، بل كان نتيجة ضغط شعبي طويل، وعرائض متراكمة، وشكاوى كشفت حجم الفساد والانهيار الإداري الذي كانت تعيشه البلاد.

وحينها قال المقيم البريطاني الميجور نوكس، الذي أشرف على عزل الشيخ عيسى بن علي، عبارته الشهيرة التي بقيت كأنها تحذير يتجاوز زمانه: “يا سادة آل خليفة، عند الرجوع إلى الماضي، أخشى أنّه من واجبي تحذيركم أنَّ مجرَّد وجودكم في الحياة، لا يعني أنه من حقكم العيش على حساب المجتمع”.

هذه الجملة ليست مجرد ملاحظة سياسية في وثيقة قديمة، بل تلخيص دقيق لمعضلة الحكم في البحرين حتى اليوم. فالمشكلة لم تكن يومًا في وجود عائلة تحكم، بل في عقلية تعتبر المجتمع مصدرًا للغنيمة، وتتعامل مع الأرض والتاريخ والناس باعتبارها ملكية خاصة قابلة للمصادرة وإعادة التوزيع والإخضاع.

بعد أكثر من مئة عام، يتكرر المشهد نفسه بأدوات جديدة. الفداوية القدامى تحوّلوا إلى جيوش إلكترونية وحسابات تحريض ووشاية، تفتّش في ضمائر الناس وآرائهم، وتحاول إعادة إنتاج الخوف ذاته الذي استُخدم في العشرينيات. والسلطة التي كانت تخاف من العرائض الورقية، صارت تخاف من تغريدة، ومن وثيقة قديمة، ومن ذاكرة جماعية لا تزال حيّة رغم كل محاولات المحو.

لكن ما لم يتغيّر منذ ذلك الزمن، أنّ المجتمع البحريني بقي أصلب من الخوف. يمكن ملاحقة الناس، وسجنهم، وإسقاط جنسياتهم، وتجفيف قراهم، ومصادرة أوقافهم، لكن لا يمكن اقتلاع جماعة صنعت هذه الأرض بعرقها وذاكرتها وأسمائها القديمة.

ستظل الوثائق تطاردكم، وستظل عقود الملكيات القديمة تفتح أفواهها في وجوهكم، وستظل البيوت والبساتين والأوقاف والبحار المنهوبة شاهدة على تاريخ لا يمكن دفنه مهما ارتفعت الجدران الأمنية.

نحن المجتمع، نحن البحرين، نحن أديم الأرض. لم تستطيعوا اقتلاعنا منذ 1783، ولن تستطيعوا الآن، لأنّ الجماعات الحقيقية لا تنتصر بالقوة، بل بالبقاء في جذور الأرض ونسغ ذاكرتها.