تغییر اندازه فونت
16

السعودية وكذبة الحضن العربي

اليوم التالي (خاص): أكثر الأكاذيب خطرًا تلك التي تلبس ثوب الذاكرة، ثم تطلب من الضحية أن تصدّق قاتلها حين يزعم أنه حارسها.

هكذا يُعاد اليوم تسويق السعودية بوصفها الحضن العربي، كأن التاريخ ورقة بيضاء، وكأن ذاكرة المنطقة لم ترَ ما جرى منذ تأسيس مملكة آل سعود. فالمشروع السعودي، في محطاته الكبرى، لم يقف يومًا في قلب المشروع العربي، وإنما وقف غالبًا على الضفة التي أرادت كسره، أو احتواءه، أو تحويله إلى خطر ينبغي استدعاء الخارج ضده.

من عبد العزيز الذي خاصم فكرة الوحدة العربية في بداياتها، إلى سعود الذي وقف في وجه التجربة الناصرية، إلى فيصل الذي صعد بالحرب على القومية العربية واستخدم الإسلام السياسي سلاحًا مضادًا لها، ثم فهد الذي فتح أبواب الجزيرة للجيوش الغربية، فصار الوجود الأمريكي قاعدةً ثابتة في قلب المنطقة، وبدأ من هناك زمنٌ جديد لتفكيك المشرق العربي، من العراق إلى ما بعد العراق.

عهد عبدالله، فيه، حرب تموز 2006 على لبنان، ومحاربة المقاومة الإسلامية فيه والوقوف ضدها، ثم محاربة الثورات العربية في 2011، ورعاية الإرهاب الداعشي في سوريا والعراق.

أما سلمان، فقد جاءه الحكم متأخرًا، فانتقلت السلطة الفعلية إلى محمد بن سلمان، ومعه خرجت السياسة السعودية من الظل إلى العلن.
حرب اليمن كشفت الوجه العنيف للمشروع، وغزة كشفت موقعه الأخلاقي، والسودان كشف امتداد العبث حين يصبح المال والنفوذ أداةً لتقطيع الجسد العربي بدل حمايته.

ولعلّ التجربة السورية هي أكثر النماذج قسوةً في فضح كذبة “الحضن العربي”.
فبشار الأسد، بعد سنوات من الحرب والعزلة، خرج يتحدث عن الانفتاح على السعودية، وعن عودة سوريا إلى الحضن العربي، بوصفه الممرّ إلى استعادة الاستقرار وكسر العزلة. جرى تصوير المصالحة مع الرياض كأنها عودة الابن التائه إلى بيته العربي، وكأن أبواب العرب فُتحت أخيرًا لإنقاذ دمشق.

لكن ماذا كانت النتيجة؟

سوريا التي قيل لها إن الطريق يمر عبر الرياض، انتهت إلى لحظةٍ صار فيها الاحتلال الإسرائيلي أكثر حضورًا في جغرافيتها من أي مشروع عربي.
الجولان يُبتلع بصمت، والسماء السورية مفتوحة للطائرات الإسرائيلية، والحدود تُعاد صياغتها بقوة النار، فيما الحضن العربي الذي وُعدت به دمشق لم يمنحها حمايةً ولا سيادةً ولا حتى معنىً واضحًا للعروبة.

الخطاب نفسه الذي بشّر بالاحتضان العربي، انتهى عمليًا إلى حضنٍ آخر؛ حضنٍ تُرسم خرائطه في تل أبيب وواشنطن أكثر مما تُرسم في العواصم العربية.

ولمن يحتاج وثيقةً لا ذاكرة، يكفي أن يستعيد كلام عادل الجبير حين تفاخر بأن السعودية والولايات المتحدة عملتا معًا، منذ الخمسينيات والستينيات، لهزيمة ما سمّاه تطرّف عبد الناصر والدول الثورية. تلك الجملة وحدها تكفي؛ المشروع العربي، في القاموس السعودي الرسمي، كان عدوًا قديمًا.

لهذا، حين يتحدثون اليوم عن الحضن العربي، ينبغي أن نسأل: أي حضن هذا الذي حارب وحدته، واستدعى الجيوش إلى أرضه، وساهم في تمزيق دُوله؟

السعودية لم تحتضن المشروع العربي، لقد ساعدت طويلًا في دفنه، ثم جاءت اليوم لتجلس عند قبره وتدّعي القرابة.