تغییر اندازه فونت
16

يحيى الحديد:لننفض سجادة الخوف فعلًا يا لميس

اليوم التالي (خاص): قال وزير الداخلية:“الي مضايق من شي يخبرنا، بنشيله عنك… الوصاية اللي عليك شلناها، لازم الناس يحسون أنهم أحرار”.

وكتبت لميس ضيف محتفية بالخطاب “أوجز وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة معاناة امتدت لعشرات السنين.. وليخرج علينا مدلس أو منكر ليدعي أن عبارة واحدة وردت في هذا الخطاب كانت خطأ، لنقدم له وقائع نعرفها بالأسماء والمناطق، ظلت تدفن تحت سجاد الخوف والمجاملة والحرج”

جميل.فلننفض سجادة الخوف فعلًا، لكن لننفضها كلها، لا نصفها فقط.

لنرفع طرف السجادة من القرى الشيعية أيضًا، حيث الخوف ليس حالة نفسية متوهمة أو فكرة سياسية عابرة، بل تجربة يومية كاملة؛ خوفٌ له أصوات محددة، وسيارات محددة، ونقاط تفتيش محددة، ووجوه أمهات تحفظها الذاكرة جيدًا.

إذا كان المطلوب أن يتكلم الناس بلا وصاية، فلنتكلم.هناك شيعة في البحرين لا يخافون من “ولاية الفقيه” بقدر ما يخافون من الطريق المؤدي إلى بيوتهم حين تمتلئ الشوارع بالحواجز الأمنية. وهناك عائلات كاملة تغيّر نبرة حديثها حين يرن الهاتف ليلًا، وأطفال كبروا وهم يعتقدون أن طرق الباب بعد منتصف الليل نذير مصيبة.

هذا أيضًا خوف.وهذا أيضًا يستحق أن يُقال دون مجاملة أو حرج.

وكما تقولين”ليخرج علينا مدلس أو منكر” ليقول إن نقاط التفتيش في سنوات التوتر كانت مجرد مشاهد عابرة لا تزرع الرعب في النفوس. و”ليخرج علينا مدلس أو منكر” ليقول إن أخبار المعتقلين، وصور المعذبين، وحكايات الموت تحت التحقيق، كانت مجرد “أخطاء هامشية” لا تصنع ذاكرة جماعية.

الخوف لا يحتاج إلى تنظير طويل.يكفي أن ترى أمًا توقظ أبناءها مذعورة لأن سيارة توقفت قرب المنزل. ويكفي أن تحكي زوجة معتقل كيف أنها تنام بكامل ثيابها خوفا من مداهمة تهتك سترها. ويكفي أن ترى عالم دين يخرج من بيته  مخفورا وهو لا يعرف إن كان سيعود مساءً. ويكفي أن نتذكر صباح اعتقال عشرات العلماء الشيعة دفعة واحدة؛ أربعون بيتًا أو أكثر دخلت في لحظة واحدة حالة هلع، وأحياء كاملة فهمت الرسالة دون حاجة إلى بيان رسمي.

حين يُعتقل عالم دين، لا يُؤخذ شخص واحد فقط، ولا ٤١ عائلة بل تُؤخذ معه الطمأنينة من محيط كامل وطائفة كاملة.هذا هو “سجاد الخوف” الحقيقي الذي يجب أن يُنفض.

يا لميس، اسألي عائلتك الكريمة ومن يحيط بها سؤالًا بسيطًا وصادقًا: هل كنتم فعلًا تخافون من عمائم علماء مسجد مؤمن القريب من بيتكم؟ أم كنتم تخافون من قبعات رجال أمن القلعة -القريبة من الضفة الأخرى من بيتكم- وسجونها وغرف تعذيبها ؟

حين كانت البحرين تدخل سنوات التوتر، من الذي كان يجعل الناس يخفضون أصواتهم؟ الشيخ الذي يصعد المنبر؟ أم الرجل الذي يملك سلطة الاستدعاء والاعتقال والتحقيق؟

حين كانت الأمهات تقلق من تأخر أبنائها ليلًا، ممن كان الخوف تحديدًا؟ من عمامة رجل دين يعرفه أهل القرية باسم أبيه وجده؟ أم من سيارة أمنية تتوقف عند أول الشارع؟

أما تحويل كل خوف شيعي إلى مؤامرة إيرانية جاهزة، فهو أسهل طريقة للهروب من مواجهة الواقع البحريني نفسه. فالشيعي البحريني لا يحتاج إلى “ولاية فقيه” كي يشعر بالخوف. هو يخاف حين يسمع السجون التي تعج بأبناء طائفته، وحين يرى التمييز في العمل، والإقصاء في الدولة، والشبهة تلاحق اسمه ولهجته وقريته.الناس لا تخترع مشاعرها، والذاكرة الجماعية لا تُصنع من فراغ.

البحرين لا تحتاج إلى خطاب يحرر فئة من “وصاية” متخيلة، بينما يُطلب من فئة أخرى أن تبتلع خوفها بصمت، ثم تشكر وزير القفص لأنه صار أكثر اتساعًا من السابق.

الحرية لا تُقاس بقدرة صحافية على مهاجمة طائفتها المضطهدة وتأييد خطاب وزير الداخلية، والتماهي معه ومع أصحاب الغلبة والنفوذ بل تقاس حرية الصحافة وشجاعتها بقدرتها على “مراقبة مراكز النفوذ والقوة”. 

وإذا كنا فعلًا دخلنا مرحلة “قول ما لا يقال”، فلنقل الحقيقة كاملة: الخوف اليوم من وزارة الداخلية، والخوف من الصحافة التي تبصم على كلامه وتؤيده، الخوف من الصحافيين الذين يرددون جملتك “وليخرج علينا مدلس أو منكر ليدعي..”، الخوف من جيوش الوشاة على وسائل التواصل الاجتماعي. نحن في مملكة الخوف.