اليوم التالي (خاص): يظن قردُ القرية [جهاز أمن، ملك، جهاز، وزير داخلية، ذباب إلكتروني، إعلام سلطة، صحافي] أن السلطة في الصراخ، وأن الناس تُهزم بالخوف، وأن الذاكرة يمكن محوها ببلاغٍ أمنيّ أو بمنع قصيدةٍ أو بإطفاء مكبّر صوت. ولهذا يدخل كلّ عام في معركة جديدة مع عاشوراء، كأنّه لم يفهم بعد أنّه لا يواجه موسمًا عابرًا، بل يواجه ذاكرة عمرها أربعة عشر قرنًا.
ما الذي يستطيع أن يفعله طاغية أمام جماعة تربّت على رجل كلمة قُتل عطشانًا، ثم تحوّل دمه إلى لغة كاملة للحياة؟ كيف يمكنه أن يهزم أناسًا تعلّموا منذ كربلاء أن الهزيمة ليست في القتل، بل في الاستسلام؟
البحارنة ليسوا جماعة دينية تمارس طقسًا سنويًا ثم تعود إلى حياتها العادية. إنهم أبناء منبر، والمنبر هنا ليس خشبة ميتة، بل مصنع ذاكرة حية، ومدرسة شعور، وآلة ضخّ نفسي وروحي ضد الخوف. كل كلمة تُقال فوق منبر الحسين ضربة صغيرة في عرش الطاغية. وكل دمعة تنزل تحت هذا المنبر تحمل كيمياء خفية تفتّت جدار الخوف داخل الإنسان.
الطغاة يفهمون السلاح، لكنهم لا يفهمون الدموع. ولهذا يخافون منها أكثر من خوفهم من البنادق. إنهم يدركون في أعماقهم أن شعبًا يبكي الحسين لا يمكن إخضاعه بالكامل، لأن البكاء تدريب طويل على الاحتفاظ بالكرامة وسط الهزيمة، وعلى تحويل الحزن إلى طاقة بقاء.
لهذا يخاف (قرد القرية) من الخطيب أكثر من خوفه من السياسي. السياسي يمكن احتواؤه أو شراؤه أو تشويهه، أما الخطيب الحسيني فيحمل ذاكرة مفتوحة على كربلاء، ويستطيع في ليلة واحدة أن يعيد ربط الناس بمعنى الظلم ومعنى الكرامة ومعنى الوقوف في وجه الطاغية.
ولهذا امتلأت السجون بالخطباء، وتحوّلت المنابر إلى ملفات أمنية، وصارت القصيدة تُعامل كأنها منشور تمرّد، وصار الخطيب يُستدعى ويُهدَّد ويُخوَّف لأن السلطة تعرف الأثر الذي يتركه في إرادة الناس. إنهم يخافون الصوت الذي يجعل الحسين مرآة يرى فيها لحظته الزمنية وواقعه اليومي.
المشكلة التي لم يفهمها (قرد القرية) أنّ عاشوراء لا تعيش في الشوارع فقط كي يغلقها، ولا في المآتم فقط كي يحاصرها، إنها تعيش داخل الذاكرة الجمعية. في كل بيت بحراني نسخة صغيرة من كربلاء، وفي كل أم تحفظ مرثية، وفي كل عجوز تهمس باسم الحسين، وفي كل طفل يتعلم اللطم قبل الكتابة، كربلاء بالنسبة لكل طاغية هزيمة مؤجلة، لذلك يخاف من أطيافها.
حين يمنع (قرد القرية) اسم يزيد، يحضر اسمه هو في عقول الناس بوصفه يزيدا. وحين يضيّق على الشعائر، تتسع داخل الناس معانيها أكثر. المنع لا يطفئ عاشوراء، بل يعمّقها ويجعلها أكثر التصاقًا بالروح.
لا يعرف (قرد القرية) عمق “الونة” التي يجرّها الناس وهم يرددون المراثي، إنها ليست مجرد نغمة حزينة، بل ونة أربعة عشر قرنًا من الألم المتراكم، من كربلاء حتى اليوم. ونة تمسح على القلوب المثقلة، وتعيد وصل الأحياء بموتاهم، والمظلومين بتاريخهم، والضعفاء بإحساسهم العميق أن الظالم، مهما انتفخ وتجبر، عابر ومؤقت.
ولهذا لا يستطيع الطاغية الانتصار النهائي. لأنه يواجه جماعة تدربت طويلًا على النجاة من الطغاة. حين تُحاصر منابرهم يقرأون في بيوتهم، ويسلّمون على الحسين من فوق سطوحهم، لا شيء يحول بينهم وبين الوصل بمعشوقهم.
هذه ليست جماعة يمكن هزيمتها بقرار أمني أو بخطاب تحريضي أو بسجن خطيب. إنها جماعة صنعت عبر القرون جهازها الخاص لمقاومة النسيان والخوف والانكسار.
مهما امتلك (قرد القرية) من أجهزة وكتبة ووشاة، وخاض حربه السنوية مع الشعائر، فإنه لا يفعل شيئا جديدا، هو يجدد معركة كربلاء، ويُعيد تمثيل دور يزيد وابن زياد والشمر وعمر ابن سعد، والتاريخ حين يعيد نفسه، فإنه يُعيدها في صورة كوميديا، تُضحك الناس، ويزيد الناس ضحكا حين يُعيد يزيد معركته التاريخية في صورة قرد.