تغییر اندازه فونت
16

نهاية الهيبة السعودية

اليوم التالي (خاص): يقف محمد بن سلمان اليوم في صورته الأوضح، رجلٌ أنفق كثيرًا ليبدو سيد لحظته، فإذا به أكثر ضعفًا ومهانةً وارتهانًا للخارج. وعندما يصل الأمر إلى أن يخاطبه دونالد ترامب علنًا بتلك العبارة السوقية الفجّة عن “تقبيل مؤخرتي”، فإن المشهد لا يعود مجرد إساءة عابرة، وإنما يصير تلخيصًا قاسيًا لمآلٍ كامل: رجلٌ التصق بمحور واشنطن وتل أبيب، وبدّد المال، وأرهق المجتمع، وفتّت البيت الداخلي، ثم وقف عاريًا من السند الذي كان يحمي آل سعود قديمًا. هذه هي صورته الآن، رغم وفرة الجبروت الداخلي، حاكمٌ جمع المال والقمع والصورة، ثم انتهى واحدًا من أقلّ حكام المنطقة معنًى وهيبة، وأكثرهم مهانة.

لم يصل محمد بن سلمان إلى هذه الحال فجأة. فمنذ نشأتهم وسيطرتهم على شبه الجزيرة العربية، تحرك آل سعود كبيت حكمٍ يعرف القسوة، ويعرف الصراع، ويعرف كذلك كيف يُنتج قراره من داخل توازناته. كان الملك هو المركز، لكن القبيلة، أي آل سعود أنفسهم، كانت الآلية التي تُدار بها المنافسة ويُصنع بها الاحتواء. كانت، باختصار، الدولة العميقة للمملكة. 

مع الملك الحالي سلمان بن عبدالعزيز، ثم مع الصعود الخاطف لابنه وزيرًا للدفاع في يناير 2015، ثم وليًّا لولي العهد، ثم وليًّا للعهد في يونيو 2017 بعد إقصاء محمد بن نايف، ثم رئيسًا للوزراء في سبتمبر 2022، انكسر هذا التقليد دفعة واحدة. 

لم يعد الحكم يُدار من داخل القبيلة، وإنما فُتّتت القبيلة نفسها كي يستقر الحكم في يد رجل واحد. حملة الريتز كارلتون، ثم ملاحقة الأمراء الكبار، كانتا إعلانًا صريحًا بأن محمد بن سلمان لم يرث الدولة السعودية كما هي، وإنما أعاد سبكها على صورته، بعد أن جرّد القبيلة من مراكزها، وشلّ آلياتها، وأدخل كبارها في الإقامة الجبرية أو الصمت أو المهانة.

بعد ذلك بدأ طورٌ آخر، قمعٌ واسع للإسلاميين والنشطاء والكتّاب، وتوسّعٌ غير مسبوق في العقاب. وأرقام الإعدام تكفي وحدها لتوصيف العهد: 345 إعدامًا في 2024، ثم 356 في 2025، في رقمين قياسيين متتاليين في تاريخ السعودية الحديث. وفي الوقت نفسه كانت المليارات تُسكب على الرمال: نيوم، وذا لاين، وتروجينا، ومصنع السيارات الكهربائية لوسيد. ثم جاءت الوقائع الفاضحة: تقليص ذا لاين بعد تضخم التكلفة إلى مستويات فلكية، وتأجيل مشروعات في نيوم، ومراجعة الأولويات، وهبوط أرباح صندوق الاستثمارات العامة 60% في 2024، وخسارة شاملة بلغت 140 مليار ريال، مع استمرار الحاجة إلى ضخ أموال جديدة في شركة لوسيد الخاسرة.